لم تعد الخلافات الزوجية في عصر الهيمنة الرقمية تنشأ فقط من ضغوط الحياة اليومية أو اختلاف الطباع، بل تحوّلت الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي أيضا إلى طرف حاضر في تشكيل طبيعة العلاقة بين الزوجين، بعدما غيّرت أنماط التواصل داخل الأسرة، وأثرت في جودة الحوار المباشر والاحتواء العاطفي بين الشريكين.
وبينما أتاحت التكنولوجيا وسائل غير مسبوقة للتواصل، يرى مختصون أنها قد تتحول، عند سوء استخدامها، إلى عامل يُعمّق الصمت، ويغذي سوء الفهم، ويفتح الباب أمام اتساع الفجوة العاطفية، وحتى نقل الخلافات الزوجية إلى الفضاء الافتراضي.
وفي هذا السياق، أوضح الأستاذ في علم الاجتماع أحمد ڤوراية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن اللجوء إلى منصات التواصل للتعبير عن المعاناة الزوجية، والتعلق بردود الفعل والتعليقات، قد يضعف الثقة والحوار بين الزوجين.
فيما أكدت المختصة النفسية العيادية، وردة هاشمي، في حديثها لـ”الأيام نيوز”، أن الهيمنة الرقمية أفرزت أنماطا جديدة من الافتراق العاطفي الصامت داخل الأسرة، نتيجة تشتت الانتباه وتراجع الحضور النفسي بين الشريكين.
في هذا الصدد، يرى أحمد ڤوراية أن المرأة تتمتع ببنية نفسية شديدة الحساسية، تجمع بين التعقيد والمرونة، موضحا أن المرأة المتزنة تتميز بقدرة كبيرة على الصبر وتحمل الضغوط، خاصة تلك التي تصدر عن محيطها الأسري، كما تمتلك ذكاء عاطفيا مرتفعا يجعلها توظف عاطفتها في مختلف علاقاتها الاجتماعية، مهما بلغت مكانتها العلمية أو المهنية.
إدمان متابعة التعليقات يضعف الحوار والثقة بين الزوجين.
وأوضح ڤوراية، في تصريح لـ”الأيام نيوز”، أن التعامل مع المرأة يتطلب فهما عميقا لتركيبتها النفسية، لأن عالمها الداخلي يمثل المحرك الأساسي لسلوكها، كما أنها تميل إلى تحليل مختلف المواقف الحياتية ومحاولة فهمها واستيعابها.
وأشار إلى أن للصبر حدودا، إذ قد تتعرض بعض النساء لضغوط أسرية متواصلة تدفعهن إلى النفور من أنفسهن ومن محيطهن العائلي، خاصة عندما يكون مصدر تلك الضغوط هو الزوج، الذي يتحول إلى شخص دائم الانتقاد يسعى إلى التقليل من شأن زوجته وخدش مشاعرها والنيل من كرامتها. وهو ما يترك آثارا نفسية عميقة عليها.
وأضاف المتحدث أن كثيرا من النساء يترددن في البوح بمعاناتهن لأفراد العائلة أو المقربين خوفا من رد فعل الزوج أو خشية انتشار أسرار حياتهن الخاصة. الأمر الذي يدفع بعضهن إلى اللجوء إلى مواقع التواصل الاجتماعي وإنشاء حسابات بأسماء مستعارة للبحث عن فضاء يتيح لهن التعبير عن معاناتهن النفسية والعاطفية.
وأكد ڤوراية أن هذه الصفحات الافتراضية أصبحت بالنسبة إلى عدد من النساء مساحة لتفريغ الضغوط والانفعالات التي عجزن عن مشاركتها مع الأم أو الأخت أو الحماة أو أي امرأة من محيطهن الأسري. حيث يشعرن بأن هناك من يشاركهن الألم ويستمع إلى معاناتهن.
ولفت إلى أن المرأة التي تتعرض للتعنيف الاجتماعي أو النفسي داخل الأسرة ولا سيما من قبل الزوج قد تجد في نشر قصتها عبر “فيسبوك” وسيلة للحصول على الدعم والتأييد العاطفي من المجتمع الافتراضي. مشيرا إلى أن التفاعل الكبير الذي تحظى به منشوراتها سواء عبر الإعجابات أو التعليقات أو الرموز التعبيرية يمنحها شعورا بالتعاطف والاحتواء.
في المقابل حذر محدثنا من أن هذا التفاعل لا يكون دائما إيجابيا. إذ إن بعض المعلقين يقدمون نصائح متزنة بينما يعمل آخرون على تأجيج الخلافات. ما يجعل الزوجة تدخل في دوامة من الحيرة والتأثر بآراء الغرباء.
وأبرز الأستاذ في علم الاجتماع أن من بين سلبيات الفضاء الرقمي أيضا تعلق المرأة بمتابعة التعليقات وردود الفعل. وهو ما قد يتحول إلى نوع من الإدمان على استعمال الهاتف. الأمر الذي يثير شكوك الزوج ويزيد من اتساع فجوة الخلاف بين الطرفين ويضعف الحوار والثقة داخل الأسرة.
وأضاف أن كثرة التعليقات قد تدفع المرأة إلى الاقتناع بأفكار الآخرين خصوصا تلك التي تدعوها إلى الانفصال أو الطلاق أو الخلع بعدما تتولد لديها حالة من البرود العاطفي تجاه زوجها نتيجة ما تعرضت له من ظلم. مؤكدا أن التأثر بآراء الغرباء قد يسهم في تعقيد الأزمة الزوجية بدل حلها.

كما انتقد ظاهرة نشر الأسرار الزوجية عبر منصات التواصل الاجتماعي معتبرا أنها تؤدي إلى كشف خصوصيات الأسرة أمام الجميع وتصوير أحد الطرفين بصورة سلبية. رغم أن الخلافات الأسرية ينبغي أن تبقى في إطارها الخاص. مؤكدا أنه يرفض تعنيف المرأة لكنه في الوقت نفسه يرى أن إخراج أسرار الحياة الزوجية إلى العلن ليس الحل الأمثل حتى وإن كان النشر يتم عبر حسابات مجهولة.
وفي ختام حديثه لـ”الأيام نيوز”، دعا ڤوراية المرأة التي تتعرض للتعنيف أو المشكلات الزوجية إلى اللجوء إلى شخص حكيم وموثوق من كبار أفراد العائلة يتولى مهمة الإصلاح بين الزوجين بدل الاعتماد على منصات التواصل الاجتماعي. محذرا من أن بعض التعليقات قد تكون سببا في تعميق الخلافات والتفريق بين الزوجين لما تملكه من تأثير نفسي كبير على أصحاب المشكلات.
الافتراق الصامت.. الوجه الخفي للهيمنة الرقمية على الحياة الزوجية.
من جانبها ترى وردة هاشمي المختصة النفسية العيادية أن ما تواجهه مؤسسة الزواج اليوم في ظل الهيمنة الرقمية تحول إلى تحدٍ نفسي وسلوكي يمس الاحتياجات العاطفية الفطرية ويهدد ركائز الارتباط الإنساني. وذلك من خلال ما يُعرف بـ”أزمة إدارة الانتباه والتشتت العاطفي”.
وأوضحت هاشمي في تصريح لـ”الأيام نيوز” أن الإنسان يدخل العلاقة الزوجية مدفوعا بحاجة أصيلة لإشباع ما يعرف بالاستجابة العاطفية المتبادلة وهي حاجة تمنحه الشعور بالأمان العاطفي والقبول غير المشروط وتجعل منه يشعر بأنه مرئي ومسموع ومُقدّر في نظر شريك حياته.
وأشارت إلى أن الشاشات ومنصات التواصل الاجتماعي تحولت بدل أن تكون وسيلة لتقريب المسافات مع العالم الخارجي إلى جدران صامتة تفصل بين الزوجين داخل المنزل الواحد. ما أوجد ظاهرة نفسية معقدة تُعرف بـ”الافتراق الصامت”.
وأضافت أن جلوس الزوجين في المكان نفسه مع انشغال كل منهما الكامل بهاتفه يؤدي إلى ما يعرف بسلوك “التجاهل الرقمي”. وهو سلوك قد يبدو بسيطا أو غير مقصود إلا أن الجهاز العصبي والعقل الباطن لدى الطرف الآخر يترجمانه كإشارة تهدد الارتباط العاطفي وتثير مخاوف الهجر والإهمال لأن تأخر الاستجابة بسبب الانشغال بالهاتف يحرم الشريك من الارتداد العاطفي الذي يحتاج إليه بطبيعته.

وأكدت أن هذا الوضع يولّد شعورا بالرفض والدونية ويؤدي تدريجيا إلى تآكل الإحساس بالأمان والاستقرار ليحل محله ما يعرف بـ”الوحدة الزوجية”. وهي حالة يكون فيها الزوجان موجودين جسديا في المكان نفسه لكنهما منفصلان نفسيا وعاطفيا.
وأبرزت أن الحرمان العاطفي المستمر والانغماس في العالم الافتراضي يشعلان آليات دفاعية نفسية معقدة تؤثر مباشرة في الحوار بين الزوجين موضحةً أن التواصل الإنساني السليم لا يقوم على الكلمات فقط بل يعتمد أيضا على لغة الجسد وتبادل النظرات ونبرة الصوت وهي عناصر لا تستطيع الشاشات أو الرموز التعبيرية تعويضها.
وأضافت أن هذا الواقع يحرم الزوجين من تفريغ الضغوط اليومية بصورة طبيعية حيث قد يختار الطرف الذي يشعر بالإهمال الانسحاب حفاظا على كرامته أو يعبر عن استيائه بالغضب والانتقاد المستمر وفي كلتا الحالتين تتسع الفجوة العاطفية ويتحوّل الصمت تدريجيا إلى ما يعرف بـ”الخرس الزوجي الدفاعي”. فتختفي الأحاديث اليومية والتفاصيل الصغيرة التي تبني الألفة ويقتصر التواصل على إدارة المسؤوليات والواجبات.
وأشارت إلى أن الهاتف تحوّل في كثير من الأحيان من وسيلة ترفيه إلى ملاذ نفسي للهروب من التوترات الزوجية مؤكدةً أن تأثير الهيمنة الرقمية لا يقتصر على الانشغال بالشاشات بل يمتد إلى الأثر النفسي والاجتماعي الذي تفرضه منصات التواصل الاجتماعي على العلاقات الزوجية.
المقارنة الاجتماعية المستمرة.
وأوضحت هاشمي أن هذه المنصات خلقت ما يعرف بالمقارنة الاجتماعية المستمرة إذ يجد الأزواج أنفسهم أمام سيل متواصل من الصور المنتقاة بعناية والمشاهد الرومانسية المصطنعة مما يؤدي بهم لمقارنة واقعهم اليومي المليء بالمسؤوليات والضغوط بصورة مثالية غير حقيقية وهو ما يولّد شعورا دائما بعدم الرضا والإحباط تجاه الشريك.
كما لفتت هاشمي إلى أن هذه المنصات أصبحت بيئة خصبة لظهور ما يعرف عياديا بـ”الخيانة العاطفية الرقمية” أو “الارتباط البديل”. حيث يسهل التواصل مع الآخرين وإشباع احتياجات التقدير والاهتمام خارج إطار العلاقة الزوجية وهو سلوك قد يبدأ بصورة تبدو بريئة لكنه يستنزف الطاقة العاطفية التي يفترض توجيهها للأسرة ويؤدي لجفاف المشاعر وزرع الشك وتقويض الإحساس بالحصرية والأمان العاطفي داخل الزواج.
وأكدت هاشمي أنه لمواجهة هذه التحديات لا تكون بالدعوة لمقاطعة التكنولوجيا أو الاكتفاء بتنظيم أوقات استخدامها وإنما تتطلب وعياً سيكولوجياً بحدود التكنولوجيا وإدارة الانتباه باعتبارها فعلا من أفعال الحب داخل الأسرة.
وأضافت أنه يجب حماية الروابط الزوجية باستثمار واعٍ لمنح الشريك الحضور الذهني الكامل أثناء الحديث لأن تلبية الاحتياجات النفسية للشريك وتخصيص الانتباه الكامل له تمثل التغذية الراجعة التي تمنحه الشعور بالتقدير والأمان وتحقيق الذات.
كما أكدت هاشمي على أهمية الاتفاق بين الزوجين على قواعد سلوكية بسيطة مثل تخصيص أوقات يومية خالية تماما من الهواتف خاصة أثناء تناول الطعام وقبل النوم بما يسمح بإحياء التواصل البصري واللمس العاطفي والحوار القائم على الحضور الذهني والجسدي الكامل.
خِتاماً أبرزت وردة هاشمي أنه يجب الوعي بالاحتياجات النفسية الكامنة خلف صمت الشريك أو غضبه باعتباره الترياق النفسي القادر على ردم الفجوات العاطفية وإعادة الدفء للعلاقة الزوجية وحماية الأسرة من التفكك الصامت في عصر الهيمنة الرقمية.

