​شط إسكندرية، يا شط الهوا، رائعة فيروز وهي تشدو للإسكندرية وبحرها المفترض أن يكون ملكًا للمصريين. لكن للأسف، أصبح ملكًا للبلطجية وفتوات الشواطئ في غياب تام للقانون والدولة.

ما بين شاطئ خاص وآخر عام، ضاع حق المواطن البسيط في الاستمتاع برؤية البحر، وأصبح الأمر مقتصرًا على القادرين فقط، ليس فقط من حيث القدرة المادية على دفع التكاليف والإتاوات، بل أيضًا من حيث القدرة الجسمانية لرد اعتداءات البلطجية.

للأسف، جميع الشواطئ من المندرة والعصافرة مرورًا بميامي والإبراهيمية والشاطبي وبحري أصبحت خاضعة لقانون البلطجية والفتوات.

​من المندرة إلى العصافرة والبوريفاج: إتاوات بغير حق والبديل “مشاجرة أو مستشفى”

في جولة لفيتو بدأت من منطقتي المندرة والعصافرة، رصدت الكاميرا سيطرة الباعة الجائلين على الأرصفة العامة وشغلهم للطريق بـ”فرش الرصيف”. وأصبحت القاعدة السائدة هناك هي “إن أردت الجلوس، فعليك أن تشتري وتدفع”. أما من يحاول الاعتراض أو المطالبة بحقه الطبيعي في السير أو الجلوس، فيكون نصيبه سيل من الشتائم والإهانات، وقد يتطور الأمر إلى الاعتداء الجسدي والترهيب.

لا يتوقف الأمر عند الرصيف، بل يمتد ليصل إلى شواطئ المندرة والبوريفاج؛ حيث يمارس مستأجرو الشواطئ فرض الإتاوات وإجبار الزائرين على دفع ثمن الخدمات بمبالغ تفوق أسعار الدخول المعلنة رسميًا تحت ذريعة “هذا أكل عيشنا ومصدر دخلنا”. وأي اعتراض صريح من المواطن يُترجم فورًا إلى مشاجرة حامية لا تنتهي غالبًا إلا في أروقة المستشفيات وأقسام الشرطة. وحتى المساحات القليلة التي يُفترض أن يظهر البحر من خلالها مجانًا أصبحت خاضعة لمنطق الاستقواء وفرض السيطرة.

​شهادات حية: “شمة الهوا محتاجة جمعية!”

وفي ظل هذه الفوضى، تنقل الكاميرا شهادات حية لمواطنين ضاق بهم الحال أمام هذا الاستغلال:.

إسماعيل.ع (موظف) يقول: “أنا موظف، كنت أحب أنزل شوية بعد المغرب أشم هوا على البحر كل يوم لكن حاليًا نادر لو قدرت أعمل ده لأن راتبي لا يتحمل دفع ثمن كوباية الشاي الإجبارية يوميًا لزوم القعدة.”.

وتقول صفية.م (ربة منزل): “بنزل أتمشى ومبقيتش أقدر أقعد خوفًا من المضايقات. وغير كده هو فين البحر أساسًا؟ هو إحنا بنشوفه؟ ولو فكرت أدخل الشاطئ أقعد مع عيلتي محتاجة مبلغ وقدره.”.

وتضيف إيناس.م (زائرة من محافظة المنوفية): “كنا بنيجي نقعد أسبوع كأجازة صيفية بعد عام دراسي مرهق ومكلف لنفك عن نفسنا والعيال تنبسط. دلوقتي الأسعار على الشاطئ بقت محتاجة جمعية كبيرة بنكتفي بيومين بالعافية لأن كل حاجة بفلوس ومش زي زمان. القعدة على الكورنيش بقت غالية ومكلفة.”.

ميامي والمنشية ومحطة الرمل كراسي بلا حصر والبلوكات الخرسانية “الملجأ الخطر”

وبالانتقال إلى منطقة ميامي، وهي أحد الأماكن المفتوحة والرؤية الواضحة للبحر، نجد البلطجية يحتلون المساحة المفتوحة بالكامل واضعين الكراسي والطاولات لمنع أي مواطن من الجلوس مجانًا. ومن يحاول إزاحة كرسي ليجلس يتعرض فورًا للإهانة والاعتداء اللفظي الذي يصل في كثير من الأحيان إلى الضرب.

لمن استطاع إليه سبيلًا

أما في المنشية ومحطة الرمل اللتين تُعدان المتنفس الرئيسي والحيوي لزوار الإسكندرية ومقيميها فقد شهدتا استيلاءً كاملًا على الكورنيش وتحولت القعدة الممتعة إلى مشروع تجاري يخضع لشعار “من استطاع إليه سبيلًا” وإلا ناله ما لا يريد.

وأمام هذا الحصار المالي والترهيب يُجبر الكثير من المواطنين على اللجوء للجلوس على البلوكات الخرسانية (حواجز الأمواج)، رغم ما تحمله من خطورة بالغة على سلامتهم فقط لأنها المكان الوحيد المتبقي بالمجان.

الإبراهيمية وقايتباي وجليم: تشويه الحضارة والتمدد التجاري

ولم تسلم منطقة الإبراهيمية هي الأخرى حيث يفرض المقيمون على الرصيف سيطرتهم ويجبرون المارة على الدفع القسري لمجرد التواجد.

وحتى قلعة قايتباي العريقة وعلى الرغم من عمليات التطوير الكبيرة التي شهدتها المنطقة لم تسلم من تعديات الباعة الجائلين الذين افترشوا الأرصفة بالدراجات والأسكوترات ليتحول المشهد من موقع تاريخي يحكي عظمة الإسكندرية وحضارتها إلى ما يشبه السوق العشوائي.

وفي منطقة جليم تتكرر الصورة بشكل أكثر تنظيمًا ولكن مع آثار بصرية سلبية تتمثل في واجهات مرتفعة وجلسات تطل مباشرةً على البحر وحركة تجارية نشطة عبر تمدد الأنشطة التجارية وزيادة عدد الكافيهات والمنشآت. هذا التمدد يقابله شعور متزايد لدى المارة بأن المساحة البصرية المفتوحة تقلصت مقارنة بما كانت عليه قبل سنوات ليطرح المواطنون سؤالاً يتردد في كل الأحاديث:”هل ما زال البحر متاحًا للجميع كما كان؟”.

حق المواطن المسلوب

لقد تحول البحر إلى مشروع استثماري شوه المدينة العريقة وأصبحت التمشية البسيطة التي كانت مجانية ومتاحة للجميع عبئًا ثقيلًا على كاهل المواطن ليبقى البحر محاصرًا ويبقى المواطن السكندري والزائر محرومين من حقهم الأصيل في تنفس هواء عروس البحر الأبيض المتوسط.