ثمة خسارات لا تحدث في لحظة واحدة، بل تقع ببطء شديد حتى أننا لا ننتبه إليها إلا بعد فوات الأوان، خسارات لا تُحدث ضجة ولا تترك وراءها حدثًا كبيرًا يمكن الإشارة إليه، بل تتسلل إلى داخلنا على هيئة تنازلات صغيرة نظنها عابرة، حتى نكتشف أننا فقدنا شيئًا أثمن مما كنا نحاول الحفاظ عليه، ولعل أكثر هذه الخسارات إيلامًا للنفس أن يخسر المرء نفسه وهو يحاول ألا يخسر أحدًا، لقد تعلمنا منذ الصغر قيمة العطاء والتسامح والاحتواء، وهي قيم نبيلة في جوهرها، لكن المشكلة تبدأ حين تتحول إلى عبء دائم علينا، وحين يصبح الحفاظ على الآخرين مرهونًا بالتخلي المستمر عن الذات، عندها لا يعود الإنسان شريكًا في العلاقة، بل يصبح مشروع تضحية مفتوحًا لا يعرف أين ينتهي.
في رأيي لا يخسر الإنسان نفسه فجأة بل يفقدها على مراحل، يتنازل عن رأي هنا ويصمت عن ألم هناك ويؤجل احتياجاته مرة بعد أخرى، ظنًّا منه أن الحب يتطلب ذلك أو أن القرب لا يتحقق إلا بثمن يدفعه من راحته وكرامته واحتياجاته، ومع الوقت تتحول هذه التنازلات الصغيرة إلى مسافة شاسعة بين الإنسان وحقيقته، والمفارقة أن كثيرين لا يفعلون ذلك بدافع الضعف بل بدافع الخوف، الخوف من الفقد، من الوحدة، من أن يصبحوا غير مهمين في حياة من يحبون، فيتمسكون بالآخرين إلى درجة يتخلون فيها عن أنفسهم وكأنهم يحاولون إنقاذ سفينة عبر إغراق الجانب الذي يقفون عليه، لكن الحياة تكشف لنا حقيقة قاسية وهي أنه لا يمكن لعلاقة أن تستمر صحيحة إذا كان ثمنها اختفاء أحد طرفيها، فالعلاقات التي تتطلب من الإنسان أن يتخلى عن صوته أو رغباته أو حدوده لا تمنحه القرب الحقيقي بل تمنحه صورة مشوهة من القرب قائمة على الاستنزاف وليس المشاركة.
أعتقد أن النضج يبدأ في اللحظة التي يدرك فيها الإنسان أن الحفاظ على نفسه ليس أنانية وأن وضع الحدود ليس قسوة وأن قول “لا” عند الحاجة ليس خيانة لأحد، فكما أن للآخرين حقًا في محبتنا فإن لنا حقًا في ألا نفقد أنفسنا أثناء هذه المحبة، ولذلك حين نسأل كم مرة خسرنا أنفسنا ونحن نحاول ألا نخسر أحدًا؟ ربما يكون السؤال الأهم كم مرة تأخرنا في العودة إلى أنفسنا لأننا ظننا أن قيمتنا تكمن في مقدار ما نتنازل عنه؟ فالإنسان لا يقاس بما يفقده من أجل الآخرين بل بقدرته على أن يحبهم دون أن يتخلى عن ذاته في الطريق.

