كريم خان، الذي وُلد في ضباب اسكتلندا عام 1970، تمكن بعينيه الحادتين ووجهه الصارم من شق طريقه ليصبح أحد أبرز الشخصيات في ساحات العدالة الدولية. تسلح بـ”كاريزما طاغية، وفصاحة تتخللها لمسات من الفكاهة البريطانية اللاذعة، وصلابة تقف سدا منيعا أمام عواصف المعارضين”، بحسب وصف المحكمة الجنائية الدولية له. تم اختياره في فبراير 2021 كثالث مدعٍ عام في تاريخها والأول الذي ينتخب باقتراع سري، قبل أن يتعرض للعزل من منصبه تحت ضغوط أمريكية إسرائيلية يوم الجمعة الماضي، على خلفية مزاعم بارتكابه “سلوكا جنسيا غير لائق”.
لم تكن مسيرة خان نحو قمة هرم العدالة الدولية مفروشة بالورود؛ بل كانت رحلة تاريخية شارك خلالها في محاكمات جرائم الحرب في يوغوسلافيا السابقة، ومجازر الإبادة في رواندا، وكوارث تنظيم داعش في العراق. كما كان محامياً يتولى الدفاع عن سيف الإسلام القذافي، مما أكد أن “رجل القانون لا يحاكم الأشخاص بل يترافع باسم العدالة، أيا كانت هوية من يمثلهم”.
زلزال غزة.. والمواجهة الكبرى
في أروقة لاهاي، كان خان يدرك أن العدالة الحقيقية لا تعرف حصانة ولا تستثني أحدا. وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، اتخذ خان قراره الأخطر؛ ففي نوفمبر 2024، ألقى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية بحجر ثقيل في بركة السياسة الدولية التي رفعت شعار “لا أرى.. لا أسمع.. لا أتكلم”. أصدر مذكرات اعتقال بحق رئيس وزراء الاحتلال الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الحرب الإسرائيلي آنذاك يوآف جالانت بتهم ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
تحول المحامي البريطاني المتخصص في القانون الجنائي الدولي وقانون حقوق الإنسان إلى فريسة للتهديدات؛ حيث وصف نتنياهو الخطوة بأنها “فضيحة أخلاقية ذات أبعاد تاريخية”. كما اعتبرت واشنطن هذه الخطوة “مشينة”. وتعرض خان لتهديدات من كبار الجمهوريين في الكونغرس الأمريكي حملت تحذيرات تنذر بالسوء: “لقد تم تحذيرك”. وفي غمضة عين، وجد خان نفسه هدفا لأجهزة الاستخبارات الإسرائيلية التي روّجت بقوة لمزاعم ارتكابه “سلوكا جنسيا غير لائق”، وصولا إلى فرض عقوبات عليه من إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بسبب مذكرات التوقيف الصادرة بحق نتنياهو وجالانت.
حملات إعلامية مضللة
لم تقتصر المواجهة على ساحات التهديد والعقوبات بل امتدت بسرعة إلى الفضاء الإعلامي. بعد أسابيع من إصدار مذكرات الاعتقال، بدأت حسابات إسرائيلية ووسائل إعلام تداول تصريح مجتزأ للمدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية للإيحاء بأنه نفى وجود أدلة على ارتكاب إسرائيل جريمة الإبادة الجماعية في غزة.
غير أن مراجعة المقابلة الأصلية التي أجراها مع الإعلامي البريطاني مهدي حسن مطلع مايو 2025 تكشف عن صورة مغايرة تماما. حين سُئل خان عن سبب اقتصار طلبات الاعتقال على جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية دون تهمة الإبادة الجماعية، أوضح أن الادعاء يبني قراراته على الأدلة المتوافرة وأن التحقيقات لا تزال مستمرة مؤكدا أن “لا شيء مستبعد إذا توفرت الأدلة”.
ورغم وضوح تصريحات خان، تعمدت حسابات إسرائيلية اقتطاع إجابته وتقديمها باعتبارها نفيا قاطعا لوجود أدلة على الإبادة. وبلغت الحملة ذروتها بعدما نشرت صحيفة “بيلد” الألمانية عنوانا يفيد بأن خان “لم يعثر على أي دليل على وقوع إبادة جماعية في غزة” وهو عنوان أسهم في ترسيخ رواية مغايرة لما قاله بالفعل.
أحجار الدومينو تتساقط رغم النفي
بين سندان الضغوط الإسرائيلية ومطرقة العقوبات “الترامبية” وجد خان نفسه في مواجهة معركة لم تعد قانونية فحسب بل امتدت إلى ساحات السياسة والإعلام؛ حيث تمسك ببراءته ونفى الاتهامات الموجهة إليه بصورة قاطعة. اعتبر ذلك جزءا من حملة “متحيزة وخطيرة” تستهدف اغتياله معنويا عقابا على مذكرات الاعتقال التي أصدرها بحق مسؤولين إسرائيليين.
وفي مقابلة مع موقع “ميدل إيست آي” البريطاني رسم خان صورة قاتمة لما اعتبره مفترق طرق يواجه العدالة الدولية قائلا إن العالم يقف اليوم بين خيارين: إما الخضوع لمنطق القوة الغاشمة أو التمسك بسيادة القانون.
وأضاف أن الحملة المستمرة ضده دفعت المحكمة الجنائية الدولية إلى “منطقة مجهولة” محذرا من أن ما يحدث قد يرسي سابقة خطيرة تتيح إقصاء المسؤولين المنتخبين عبر الضغوط السياسية. كما اتهم أعضاء مكتب جمعية الدول الأطراف بالسعي إلى تقويض المبادئ القانونية الأساسية عبر تجاهل نتائج تحقيق أممي خلص إلى عدم وجود أدلة تثبت ارتكابه أي مخالفات.
شجاعة مواجهة الكبار
ينقل موقع “أكسيوس” الأمريكي عن مسؤول إسرائيلي قوله إن وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر والبعثات الدبلوماسية الإسرائيلية كثفوا خلال الأيام الأخيرة اتصالاتهم مع عدد من الدول لحشد الأصوات المؤيدة لعزل خان أو دفعها إلى الامتناع عن التصويت بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الأمريكية للمحكمة الجنائية الدولية.
رغم أن تحقيقات أممية سابقة لم تعثر على أدلة تدينه فإن سحابة الاتهامات بقيت تخيم على المحكمة تاركة أثرا عميقا فيها حتى وصف بعض زملائه المشهد بأنه بات “ملوثا” بالشكوك والاستقطاب. انتهى الفصل الذي بدا لكثيرين أقرب إلى صراع جديد بين السياسة والعدالة ليغادر خان المسرح تاركا وراءه صورة لبطل لدى من رأوا فيه شجاعة مواجهة الكبار وضحية لشباك سياسة فاسدة لا ترحم من يجرؤ على تحديها.

