لقد مسَّنا الحلم مرة، وستبقى تلاحقنا دومًا ذكرى الخروج المشرف من النسخة الأسوأ لكأس العالم، تلك البطولة التي ما زالت تلاحقها اتهامات الفساد منذ الفضائح التي هزت الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا»، وألقت بظلالها على صورة المؤسسة التي يفترض أنها تدير اللعبة الأكثر شعبية في العالم. ولِمَ لا وقد رأينا جميعًا كيف آلت الأمور، وكيف جاءت إدارة المباراة بين مصر والأرجنتين لتثير كثيرًا من علامات الاستفهام، بعدما بدا الحكم متساهلًا في احتساب القرارات ضد منتخبنا الوطني، بينما كان حاسمًا في كل ما يصب في مصلحة الأرجنتين، في مشهد أعاد إلى الأذهان سؤالًا قديمًا عن مدى عدالة إدارة البطولات الكبرى.

وبعيدًا عن تلك المسرحية التي شهدها كأس العالم، لا بد أن نسأل: لماذا يريد الرجل الأبيض أن يربح على الدوام، بينما يُراد لنا نحن العرب ألا نخرج عن السيناريو المرسوم، وأن نظل مجرد ضيوف شرف؟ وإن قررنا الخروج عن النص يومًا ما، فسيفعل أصحاب المصالح كل شيء لإعادة الأمور إلى نصابها وفق رؤيتهم. ولو أردتم أن تعرفوا كيف تُدار اللعبة، فانظروا إلى صدمة جياني إنفانتينو عندما أهدر ميسي ركلة الجزاء خلال المباراة، وكأن السيناريو الذي كان يُراد له أن يسير بسلاسة تلقى ضربة مفاجئة.

ولو عدنا إلى الوراء لكشف العلاقة بين ميسي وإسرائيل، وكذلك رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» جياني إنفانتينو، لوجدناها تثير كثيرًا من التساؤلات. فقد طرح إنفانتينو خلال زيارته الأولى لإسرائيل في أكتوبر 2021 فكرة استضافة مشتركة لبطولة كأس العالم 2030 بين إسرائيل وعدد من دول المنطقة. كما انضم ليونيل ميسي في 5 ديسمبر 2018 إلى عضوية نادي بيتار القدس الإسرائيلي بعد حصوله على العضوية الشرفية، ليصبح أول شخصية تنال هذا التكريم. وهي وقائع جديرة بالتوقف عندها عند قراءة المشهد بأكمله.

وعلى الهامش أيضًا، زار ميسي إسرائيل أكثر من مرة والتقى كبار المسؤولين هناك. وحرص على زيارة «حائط البراق»، الحائط الغربي للمسجد الأقصى وعدد من الأماكن المقدسة. كما جمعته لقاءات برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الإسرائيلي الأسبق شيمون بيريز. وهي وقائع يراها كثيرون مؤشرًا على طبيعة العلاقة التي تربطه بإسرائيل وتدفع إلى طرح مزيد من التساؤلات حول الخلفيات السياسية المحيطة بالمشهد الرياضي.

إذًا هناك أكثر من عامل يدفع إلى طرح علامات استفهام حول ما جرى، خاصة أن إسرائيل نفسها كانت تشجع الأرجنتين بصورة لافتة. وتحولت الاحتفالات هناك إلى مشهد صاخب استمر حتى الساعات الأولى من الصباح. كما أبرزت وسائل إعلام عربية تلك الحالة معتبرة أنها تجاوزت حدود المنافسة الرياضية، خاصة في ظل ما شهدته البطولة من حضور لافت للعلم الفلسطيني على يد الكابتن حسام حسن والتصريحات التي ألهبت ظهر الاحتلال وما سبب ذلك من حرج بالغ على المستوى العالمي. بل إن من بين العبارات التي جرى تداولها على بعض المنصات والمواقع العبرية أن كل من لا يقف مع الأرجنتين فهو كاره لإسرائيل وكاره لكرة القدم.

وفي هذا السياق تكتسب التصريحات والمواقف الإسرائيلية الأخيرة أهمية خاصة عند قراءة المشهد الكروي من زاوية سياسية. فقد عبر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى جانب مسؤولين ووسائل إعلام إسرائيلية عن احتفاء واضح بفوز الأرجنتين وقدموا هذا الفوز بوصفه حدثًا يستحق الإشادة والدعم. ويمكن النظر إلى هذا الاحتفاء باعتباره مؤشرًا على طبيعة التقارب الرمزي الذي تحاول إسرائيل توظيفه في المجال الرياضي.

ولن أحدثك عن المراهنات ولا أن الفيفا تنظر إلى كأس العالم باعتباره مشروعًا اقتصاديًا ضخمًا يدور حوله مليارات الدولارات. ومن هذا المنطلق فإن استمرار منتخب الأرجنتين بقيادة ليونيل ميسي كان يمثل ضرورة تسويقية قبل أن يكون إنجازًا رياضيًا. فالنجم الأرجنتيني هو المحرك الأكبر لحقوق البث والرعاية والإعلانات وخروجه المبكر كان سيحرم البطولة من أحد أهم مصادر جاذبيتها التجارية ويكبد الشركات الراعية والقنوات المالكة للحقوق خسائر لا يُستهان بها وهو ما يفسر حجم الرهان على استمرار أحد أكبر الأسماء في تاريخ اللعبة والاستماتة لإخراج منتخبنا سريعًا.

والآن من حقنا أن نحزن نعم ومن حقنا أن نغضب نعم ومن حقنا أن ننظر إلى الحلم وهو يتسلل من بين أيدينا بحسرة بالطبع لكن ما يجب أن ندركه هو أن العالم لم يعد يُدار بالعشوائية وحدها وتحكمه شبكة معقدة من المصالح السياسية والاقتصادية والإعلامية. فما حدث في المباراة ليس مجرد أخطاء تحكيمية ولكن خطة مرسومة من رعاة الفساد مما يجعل من الصعب التعامل مع كل ما جرى باعتباره مجرد مصادفة. وبين هذا وذاك يبقى المؤكد أن العدالة هي الضامن الحقيقي لمصداقية الرياضة وأن الجماهير لن تتوقف عن طرح الأسئلة كلما شعرت بأن المنافسة لم تكن متكافئة وإنما كان يحكمها قانون الغاب فقط.