لا شك أن مفهوم الفنان الحقيقي قد أصابه اللغط والجدل في الوقت الحالي، خاصةً مع طغيان أنصاف الفنانين على الساحة الفنية، خصوصًا في مجال التمثيل. فقد تعلمنا أنه في المجتمعات المتقدمة، يعتبر كل من يحمل لقب فنان رمزًا للخير والتنوير للمجتمع.

يُنتظر من الفنان أن يتمتع بموهبة وثقافة ورؤية شاملة، وأن يطرح حلولًا لمشاكل مجتمعه بطريقة مبتكرة. لذا، يجب على المجتمع أن يمنحه الاهتمام والتقدير الذي يستحقه أكثر من باقي عناصره وطوائفه.

ولكن هل يتمتع فنانو الجيل الحالي بهذه الصفات ويدركون معنى الفن والدور الذي ينبغي أن يلعبوه في المجتمع؟ أشك تمامًا أن أغلب فناني الجيل الحالي وحتى الأجيال الصاعدة يدركون ذلك، لأسباب عديدة سنستعرض بعضها في السطور التالية.

مقارنة ظالمة وغير متكافئة

أزعم أن الأجيال السابقة من الممثلين، خاصةً في العصر الذهبي للسينما المصرية خلال الخمسينيات والستينيات وبعض السبعينيات والثمانينيات، كانت تدرك رسالة الفن ودوره في المجتمع. تعكس مئات الأعمال في تلك الفترة ما تمتعت به هذه الأجيال من موهبة وثقافة ورؤية وهدف.

كان هناك كتاب عمالقة مثل نجيب محفوظ وثروت أباظة ويوسف السباعي وطه حسين ويحيى حقي وإحسان عبد القدوس، فضلاً عن كتاب السيناريو المبدعين مثل علي الزرقاني ومحمد أبو يوسف وعبد الحي آديب والسيد بدير ثم وحيد حامد وبشير الديك.

كما كان هناك مخرجون أصحاب رسائل واضحة مثل صلاح أبو سيف وعز الدين ذو الفقار وكمال الشيخ وعاطف سالم، ثم عاطف الطيب ومحمد خان وداوود عبد السيد وخيري بشارة وشريف عرفة لاحقًا.

وجدنا ممثلين يسيرون على نفس النهج مثل حسين صدقي الذي قدم أفلامًا ذات طابع اجتماعي تحمل قيمًا ومبادئ عليا. أما يوسف وهبي فقدم أعمالًا مهمة منها الطريق المستقيم وابن الحداد وغرام وانتقام. وكان لأنور وجدي دور كبير كمؤسسة فنية متكاملة ككاتب وممثل ومخرج ومنتج.

أما فريد شوقي فقد أثرت بعض أفلامه على تغيير قوانين مهمة مثل “جعلوني مجرمًا” و”كلمة شرف”. وبرزت أيضًا أسماء مثل ماجدة وسعاد حسني وفاتن حمامة وغيرهم كفنانين حقيقيين يحملون رسالة الفن.

هذا الجيل تقريبًا هو آخر الأجيال العظيمة التي تدرك معنى الفن ورسالته السامية، والتي توافرت لها جميع عوامل النجاح والتميز. لذا فإن المقارنة بين الأجيال الحالية والسابقة غير متكافئة.

أجيال بلا رؤية

مع تراجع الأجواء المواتية للإبداع الفني منذ منتصف التسعينيات، حيث ظهرت ظاهرة أفلام المقاولات، اندثرت الأعمال السينمائية الجيدة التي تحمل مضمونًا هادفًا برحيل جيل العمالقة من المؤلفين والمخرجين.

ظهرت أجيال جديدة تتصدرها شخصيات كوميدية مثل هنيدي وعلاء ولي الدين ومحمد سعد وهاني رمزي، حيث كانت معظم أعمالهم تهدف إلى الترفيه فقط دون تقديم قيمة حقيقية. رغم وجود بعض المحاولات الخجولة لأعمال هاني رمزي وأحمد حلمي وأحمد عيد إلا أنها لم ترتقِ إلى المستوى المطلوب للفن والفنانين.

للأسف، تحول معظم هؤلاء إلى أدوات صماء تنفذ ما يطلبه المخرج والمؤلف دون وجود رؤية أو قضية يتبنونها لدعم المجتمع والناس الذين يدفعون لهم أجورهم الخيالية. وهذا أمر مؤسف للغاية!

إن أغلب فناني اليوم يفتقرون بشدة إلى الموهبة والثقافة والرؤية والهدف، مما يفسر هذا الكم الكبير من الأفلام الضعيفة رغم تحقيق العديد منها لإيرادات خيالية. لكن من الظلم اعتبارها أفلامًا سينمائية حقيقية تُدرج ضمن تاريخ السينما المصرية العريق بالتحف الفنية!