في الوقت الذي يسعى فيه قانون الضمان الاجتماعي الموحد إلى تنظيم منظومة الدعم النقدي ووضع ضوابط دقيقة لضمان وصول المساعدات إلى الفئات الأكثر احتياجًا، لم يغفل القانون عن الحالات التي قد تتغير فيها أوضاع الأسر المستفيدة أو تواجه ظروفًا تستدعي إعادة تقييم مدى استحقاقها للدعم. لذا، وضع القانون قواعد واضحة لوقف الدعم النقدي في عدد من الحالات، مع إقرار استثناء مهم يراعي الأوضاع الاجتماعية للأسر، ويمنحها فرصة لتوفيق أوضاعها أو إعادة التقدم للحصول على الدعم وفقًا للشروط القانونية.
تأتي هذه الضوابط في إطار محاولة تحقيق التوازن بين ضمان وصول الدعم إلى مستحقيه من جهة، ومنع استمرار صرفه في الحالات التي لم تعد تتوافر فيها شروط الاستحقاق من جهة أخرى. إذ لا يتعامل القانون مع الدعم النقدي كحق ثابت بمعزل عن الظروف الاقتصادية والاجتماعية للمستفيد، بل يربط استمرار الاستحقاق بمدى توافر المعايير التي حددها القانون.
حرص المشرّع على عدم ترك بعض الأسر أمام وقف مفاجئ وكامل للدعم في حالات محددة، فأجاز استمرار صرف 75% من قيمة الدعم النقدي لمدة ثلاثة أشهر، أو حتى توفيق الأوضاع وإعادة استيفاء شروط الاستحقاق، بحسب أيهما أقرب.
حالات وقف الدعم النقدي
نصت المادة 34 من قانون الضمان الاجتماعي الموحد، مع عدم الإخلال بحالات وقف الدعم النقدي الأخرى المنصوص عليها في القانون، على وقف الدعم للأفراد المستفيدين والأسر المستفيدة في عدد من الحالات.
من أبرز هذه الحالات حدوث تغير في مستوى معيشة الفرد المستفيد أو الأسرة المستفيدة مما يؤدي إلى خروج الحالة عن حدود المعادلة الاختبارية المحددة للاستحقاق.
يعني ذلك أن استمرار الدعم يرتبط بالوضع المعيشي والاقتصادي للأسرة. فإذا طرأ تغير يجعل الأسرة أو الفرد غير مستوفٍ للمعايير المحددة قانونًا، يمكن أن يترتب على ذلك وقف الدعم وفقًا للقواعد المنظمة.
التلاعب في البيانات يؤدي إلى وقف الدعم
كما حدد القانون التلاعب في البيانات كسبب لوقف الدعم. حيث يوقف الدعم في حال ثبوت قيام المستفيد بالتدليس أو التزوير في البيانات التي أدلى بها عند تسجيل الحالة والتقدم للحصول على الدعم النقدي.
يهدف هذا النص إلى حماية منظومة الدعم من محاولات الحصول على المساعدات دون استحقاق وضمان توجيه الموارد إلى الفئات التي تنطبق عليها الشروط القانونية بالفعل.
أحكام قضائية في جرائم محددة
تتضمن الحالات التي نص عليها القانون صدور حكم بات ضد المستفيد أو رب الأسرة بالإدانة في عدد من الجرائم المحددة.
تشمل هذه الجرائم التسول والاتجار بالبشر وتعريض الطفل للخطر وختان الإناث والزواج المبكر والتحرش والتعدي على الأراضي الزراعية، إضافةً إلى الجرائم الأخرى المخلة بالشرف والاعتبار.
يشترط القانون في هذه الحالة صدور حكم بات بالإدانة، مما يعني أن مجرد الاتهام أو وجود بلاغ لا يكفي وحده لتطبيق هذا السبب لوقف الدعم. يرتبط الأمر بالحكم القضائي وفقًا لما نص عليه القانون.
رفض فرص العمل قد يؤدي إلى وقف الدعم
ومن الحالات الأخرى التي حددها القانون رفض الأفراد المستفيدين أو أرباب الأسر القادرين على العمل فرص التوظيف أو كسب العيش التي توفرها لهم الجهة الإدارية بالتنسيق مع الوزارة المختصة بالعمل ثلاث مرات دون عذر مقبول.
تنص القواعد على أن اللائحة التنفيذية للقانون تتولى تحديد طرق وإجراءات وآليات عرض فرص العمل أو إقامة المشروعات، وكذلك الحالات التي يعتبر فيها الرفض دون عذر مقبول.
يعكس هذا النص توجه القانون نحو ربط الدعم النقدي بالنسبة للقادرين على العمل بجهود التمكين الاقتصادي والانتقال التدريجي من الاعتماد على الدعم إلى امتلاك مصدر دخل وفرصة عمل توفر سبل المعيشة.
وفي المقابل، راعى القانون بعض الفئات التي قد لا تكون قادرة على الاستفادة من هذه القاعدة واستثنى الأشخاص ذوي الإعاقة من المستويين الثاني والثالث وأصحاب الأمراض المزمنة الشديدة والمسنين.
استثناء مهم.. استمرار صرف 75% من الدعم
تضمن المادة 34 استثناءً من الوقف الكامل للدعم في بعض الحالات. إذ أجاز القانون استمرار الأسر المستفيدة التي صدر ضد أربابها حكم في إحدى الجرائم المنصوص عليها في القانون بصرف 75% من قيمة الدعم النقدي المقرر لها.
ويستمر صرف هذه النسبة لمدة 3 أشهر من تاريخ صدور قرار إيقاف الدعم, أو حتى تقوم الأسرة بتوفيق أوضاعها بموجب طلب جديد للحصول على الدعم النقدي متى توافرت فيها إحدى حالات الاستحقاق المقررة قانوناً, وذلك أيهما أقرب.
يعني ذلك أن وقف الدعم في هذه الحالات لا يؤدي بالضرورة إلى انقطاع كامل وفوري للمساعدة المالية عن الأسرة, بل منح القانون فترة انتقالية محددة تساعدها على التعامل مع الوضع الجديد وتوفيق أوضاعها وفقًا للقواعد القانونية.
لماذا أقر القانون هذا الاستثناء؟
يعكس استمرار صرف 75% من الدعم لفترة مؤقتة مراعاة للبعد الاجتماعي في تطبيق القانون, خاصة أن الحكم على رب الأسرة بإحدى الجرائم المحددة لا يعني بالضرورة زوال احتياجات باقي أفراد الأسرة أو عدم وجود أطفال يحتاجون إلى الرعاية.
Cجاء الاستثناء ليوازن بين ضرورة تطبيق القانون على الحالة التي لم تعد مستوفية لشروط الدعم وبين عدم ترك الأسرة دون أي مورد خلال فترة قصيرة, مع منحها فرصة لإعادة التقدم للحصول على الدعم إذا توافرت فيها شروط الاستحقاق. كما أن تحديد المدة بثلاثة أشهر يجعل الاستثناء مؤقتاً وليس استمراراً مفتوحاً للدعم, بحيث تظل الأسرة مطالبة بتوفيق أوضاعها وإعادة إثبات استحقاقها وفقًا للقواعد القانونية.
الدعم مرتبط بالاستحقاق
تكشف هذه الضوابط عن فلسفة قانون الضمان الاجتماعي الموحد في التعامل مع دعم النقدي, والتي تقوم على توجيه المساعدات للأسر والأفراد الذين تنطبق عليهم شروط الاستحقاق, مع وجود آليات لمراجعة الحالات عند حدوث تغيرات في الظروف.
لا يقتصر دور المنظومة فقط على صرف المساعدات المالية, وإنما يتضمن أيضًا تشجيع القادرين على العمل للاستفادة من فرص التوظيف وكسب العيش المتاحة لهم, مما يساعدهم على الانتقال من الحماية الاجتماعية إلى التمكين الاقتصادي.

