تظل أمجادنا حاضرة في ذاكرة التاريخ، فهي تجسد ملاحم النصر والمجد والخلود لأجدادنا العظام من القدماء المصريين، ومن تلك الوقفات العظيمة نستمد الدروس ونستلهم الثبات وروح التفاؤل.. اليوم نحتاج إلى هذه الدروس أكثر من أي وقت مضى، لنتأكد من اليقين القائل إن مصر أم الدنيا لا تسقط أبداً، مهما كانت ضراوة الاستهداف وصعوبة الظروف، وهو ما تجلى في موقعتَي قادش الأولى للملك تحتمس الثالث عام 1468 ق.م، وموقعة قادش الثانية للملك رمسيس الثاني عام 1285 ق.م، والتي نتناولها اليوم.

في عام 1285 قبل الميلاد، وقعت في منطقة قادش – المعروفة حالياً بالقصير في سوريا – واحدة من أهم المعارك في التاريخ القديم، والتي حددت مصير المنطقة وإمبراطوريات العالم الكبرى آنذاك.. خلال تلك الفترة كانت الإمبراطورية البابلية تعيش أواخر فترة مجدها، بينما احتدم الصراع بين الحثيين في شمال سوريا والقدماء المصريين القادمين من الجنوب.

على ضفاف نهر العاصي قرب مدينة القصير الحالية، جرت المعركة الحاسمة -قادش الثانية- التي استعادت فيها مصر سيادتها على المناطق الواقعة جنوب قادش من بلاد الشام، بينما احتفظ الحثيون بالمناطق الشمالية وفقاً للمعاهدة التي أبرمت بين ملك الحثيين (خيتا) وملك مصر (رمسيس الثاني) بعد انتصار الجيش المصري في تلك الملحمة الخالدة.

قصة الملحمة

تعود جذور هذه الملحمة إلى الأحداث التي شهدتها الفترة الأخيرة من الأسرة 18.. حيث انطلقت الدعوة الدينية للملك (أخناتون عام 1367 ق.م) بتوحيد الإله ونبذ تعدد الآلهة السائد آنذاك. وقد أدت هذه الدعوة إلى اندلاع ثورة دينية قوية في البلاد، مما جعل كهنة البلاط يتدخلون ويؤججون الصراع الداخلي الذي أنهك مصر حتى آخر ملوك الأسرة 18 الملك (حور محب عام 1335 ق.م).

استغل الحثيون هذه الاضطرابات فأقاموا تحالفًا مع الميتانيين والحوريين وغيرهم من الآسيويين الذين تفككت إمبراطورياتهم القديمة ضد القدماء المصريين الذين كانوا مشغولين بمشكلاتهم الداخلية. ورغم محاولات عدة ملوك لاستعادة السيطرة المصرية على تلك المناطق بالشام، إلا أنهم فشلوا رغم إعادة ضبط الشؤون الداخلية المصرية لاحقاً.

استمرت الأمور على هذا النحو حتى تولى (سيتي الأول) عرش مصر عام 1309 ق.م كأول ملوك الأسرة 19 للدولة الحديثة.. وقد قاد سيتي جيشه في السنة الأولى من حكمه وقام بقمع التمرد في قادش وأوقع هزيمة بالحثيين حيث استسلم ملكهم (متّيلا) وأبرمت معاهدة سلام كانت أشبه بالهدنة.

بعد وفاة الملك سيتي الأول اعتلى العرش ابنه رمسيس الثاني عام 1290 ق.م، وهو أشهر ملوك مصر القديمة ومؤسس الإمبراطورية الثانية في تاريخها وبطل معركة قادش التي استهدف من خلالها القضاء على تحالف الآسيويين المتربصين بأمن مصر.

منذ اليوم الأول لحكمه أدرك الملك رمسيس الثاني ضرورة نقل العاصمة السياسية لمصر من طيبة إلى شمال الدلتا ليتمكن هو وجيشه من حماية أراضي الدولة في آسيا بسرعة أكبر. فأنشأ عاصمة جديدة أطلق عليها اسم (بر رمسيس) على الفرع التانيسي للنيل.

أسس رمسيس الثاني جيشًا قويًا استعداداً للمعركة يتكون من عشرين ألف مقاتل مدربين جيدًا ومجهزين لخوض الصعاب، موزعين على أربعة فيالق تحمل أسماء الآلهة المصرية الكبرى: (آمون ـ رع ـ بتاح ـ ستخ).

انطلق رمسيس الثاني بجيوشه من قلعة ثارو الحدودية بالقرب من القنطرة ووصل إلى مشارف مدينة قادش بعد شهر واحد.. كان خط سيره يمر عبر أراضي فلسطين نحو جنوب لبنان ثم عبر وادي جبال الأرز إلى داخل الأراضي السورية متوجهاً نحو قادش بعد أن قطع الجيش مسيرة ثلاثين يوماً دون توقف.

وصل الجيش المصري إلى أرض المعركة وكان الملك رمسيس الثاني معسكرًا بالقرب منها عندما ادعى اثنان من البدو أنهم هاربان من جيش الملك الحيثي وأخبراه بأن ملكهم قد ابتعد عن مكان تمركزه.. لكنهما كانا جواسيس فأسرع رمسيس بعبور نهر العاصي وأقام معسكره منتظراً وصول باقي الجيش.

وبعد التحقيق مع جنود العدو الكشاف تم اكتشاف خطة الحيثيين لعبور نهر العاصي لمفاجأة الجيش المصري.. وبالفعل عبر نصف الجيش الحيثي النهر وهاجموا الفيالق المصرية ودمروا أحدها مما قطع الاتصال بين رمسيس وبقية قواته.

لكن الملك رمسيس الثاني لم يستسلم وقيادة بنفسه هجومًا ضد الحيثيين حيث التف حولهم ودفعهم حتى النهر.. وكانت اللحظة الفارقة حين وصلت إمدادات جديدة لجيشه مما أحدث ارتباكًا لدى الحيثيين الذين وجدوا أنفسهم محاصرين واضطروا لترك عرباتهم والسباحة لنهر العاصي أمام الهجوم المصري.

بعد معارك ضارية وخسائر فادحة للطرفين، تحقق النصر أخيراً لجيش مصر بعد أن حول الملك رمسيس الثاني الهزيمة إلى انتصار مؤزر. وقد قدم ملوك التحالف الآسيوي فروض الولاء والطاعة له بعد استسلام ملك الحثيين خيتا وتوقيع معاهدة سلام تضمن السيادة المصرية على الأراضي الواقعة جنوبي قادش.

كانت معركة قادش ملحمة شجاعة وصمود وبطولة عظيمة للجيش المصري بكل المعايير العسكرية.. المجد والخلود لمصر الحضارة والتاريخ وعز وفخار لشعبها الأبي.