في صحراء النقب الشاسعة، حيث تسعى إسرائيل منذ عقود إلى إعادة رسم جغرافيا الأرض ومحو هويتها، تقف قرية العراقيب الفلسطينية كعقبة صلبة أمام مشروع التهجير والتقتيل البطيء. ففي مثل هذا اليوم من عام 2010، اقتحمت القوات الإسرائيلية مدعومة بالجرافات والآليات العسكرية أزقة القرية، وهدمت خيامها وبيوتها للمرة الرابعة على التوالي، في محاولة لكسر إرادة أهلها ودفعهم إلى الرحيل.

لكن القسوة التي واجهت بها الأجهزة الأمنية تلك الجهود قوبلت بإرادة أشد صلابة؛ إذ لم تكد الجرافات تغادر المكان حتى بدأ أهالي القرية في رفع الأعمدة الخشبية وشد حبال الخيام من جديد فوق الركام النازف، معلنين بداية واحدة من أطول وأغرب معارك الإرادة والبقاء في التاريخ الحديث.

معركة الخارطة: لماذا تخشى إسرائيل العراقيب؟

تقع قرية العراقيب شمال مدينة بئر السبع، وتعتبر واحدة من بين عشرات القرى العربية التي تصر السلطات الإسرائيلية على تصنيفها كـ “قرى غير معترف بها”. هذا التصنيف ليس مجرد حيلة إدارية، بل هو غطاء سياسي وقانوني يحرم القرية من أبسط مقومات الحياة الآدمية؛ فلا شبكات كهرباء ولا مياه ولا طرق معبدة ولا خدمات طبية.

تستهدف المخططات الإسرائيلية وضع اليد على الأراضي التي تتوارثها العشائر العربية منذ ما قبل قيام إسرائيل عام 1948. والهدف الواضح هو حشر السكان العرب في مجمعات سكنية ضيقة ومحدودة، وتفريغ الأرض الصحراوية الممتدة لتخصيصها لمشاريع الاستيطان الزراعي التابعة للصندوق القومي اليهودي، مما يسهم في بناء واقع جديد يقطع التواصل الديمغرافي العربي في النقب.

لم تكن المرة الرابعة في أغسطس 2010 سوى محطة مبكرة في مسلسل مؤلم وطريف في آن واحد. تحول الهدم في العراقيب من إجراء أمني طارئ إلى طقس أسبوعي وروتين شبه دائم؛ حيث بلغت عمليات هدم القرية وإعادة بنائها أكثر من مائتين وخمس عشرة مرة على مدار السنوات التالية.

طور الأهالي، بقيادة رموزهم وشيوخهم وفي مقدمتهم الشيخ صياح الطوري، استراتيجية صمود مرنة وسريعة؛ حيث يعتمد الأهالي على مواد بناء بسيطة وغير مكلفة من الخشب والصفيح والقماش لإعادة بناء البيوت خلال ساعات عقب كل اقتحام. وأمام إصرارهم على البقاء، نقل الأهالي حياتهم اليومية وعائلاتهم وأطفالهم إلى مقبرة القرية التاريخية، باعتبارها المكان الأخير الذي يضم رفات أجدادهم وحرمة شواهد القبور التي تمنع الجرافات من دهسها.

سياسة الحرب الاقتصادية والملاحقة القضائية

لم تكتف السلطات الإسرائيلية بالقوة العسكرية والقنابل والآليات؛ بل خاضت ضد سكان العراقيب حرب استنزاف مالية ونفسية حادة. فرضت المحاكم الإسرائيلية غرامات مالية باهظة على أهالي القرية وطالبتهم بدفع التكاليف المالية المرتفعة لعمليات الهدم التي تنفذها الشرطة والجرافات ضد منازلهم، فضلًا عن الاعتقالات المتكررة لرجال القرية وشبابها بتهم التواجد في أراضٍ تابعة للدولة.

ورغم هذه الضغوط المادية والنفسية الخانقة، تحولت العراقيب إلى أيقونة عالمية تتداولها المنظمات الحقوقية والأخبار الدولية كدليل حي على أن جغرافية الأرض وذاكرتها لا يمكن محوها بقرارات المحاكم أو بحديد الجرافات. إن خيمة بدائية من الخشب والصفيح قادرة على التصدي لأعتى مخططات التهجير.