في ذكرى عيد الدفاع الجوي المصري، تستعيد المؤسسة العسكرية صفحات من تاريخها القتالي، حيث تمكنت القوة الرابعة من قطع اليد الطولى لإسرائيل ومنعها من الاقتراب من الجبهة الداخلية. هذه القوة تصدت وأسقطت أحدث طائرات العدو التي استهدفت الأبرياء في الداخل المصري عقب نكسة 1967، حيث طالت الهجمات مصانع الحديد والصلب في حلوان ومدرسة بحر البقر، مما أسفر عن سقوط شهداء من الأطفال والمدنيين. ومع اكتمال بناء “حائط الصواريخ”، تحول إلى محرقة للطائرات الإسرائيلية في تلك المرحلة.

بمناسبة هذه الذكرى، أكد الفريق ياسر الطودي، قائد قوات الدفاع الجوي، أن نشأة هذا السلاح تعود إلى عام 1937 عندما تم تشكيل وحدات من المدفعية المضادة للطائرات والأنوار الكاشفة. وقد شاركت هذه الوحدات في الحرب العالمية الثانية وحروب 1948 و1956، حيث كانت مهمتها تأمين الدفاع الجوي عن المدن الرئيسية. وكان أبرز معاركها في يونيو 1941 بمدينة الإسكندرية، حيث تمكنت من صد هجمة جوية مركزة لدول المحور تضم نحو 100 طائرة، وكانت تلك أول شهادة نجاح لسلاح الدفاع الجوي المصري.

وأضاف قائد قوات الدفاع الجوي أن حرب 1956 أبرزت الحاجة إلى تدبير أنظمة صواريخ من الاتحاد السوفيتي نتيجة محدودية إمكانيات المدفعية المضادة للطائرات مقارنة بإمكانيات طائرات العدو في ذلك الوقت.

وتابع: إن كتائب صواريخ “سام-2” وصلت عام 1961 بأعداد محدودة وشاركت في حرب 1967 التي كشفت عن الدرس الأهم بضرورة إنشاء قوات الدفاع الجوي كقوة مستقلة، وهو ما تكلل بصدور القرار الجمهوري رقم (199) في 14 فبراير 1968 معلنًا ميلاد القوة الرابعة.

دور القوات خلال حرب الاستنزاف

وسلط قائد قوات الدفاع الجوي الضوء على دور القوات خلال حرب الاستنزاف، موضحًا أنه رغم نتائج حرب 1967 فقد جرى استيعاب الدروس المستفادة والبدء في رحلة طويلة من الإعداد والتجهيز واستكمال التسليح وإعادة التنظيم والتدريب القتالي الحقيقي. وتم التخطيط لبناء “حائط الصواريخ” الذي تضمن تجميعًا قتاليًا متنوعًا من الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات داخل مواقع ودشم محصنة بهدف توفير الدفاع الجوي عن التجميعات الرئيسية للجيوش الميدانية والأهداف الحيوية.

وأشار إلى أن هذه المواقع تم إنشاؤها في ظروف بالغة الصعوبة وبتضحيات كبيرة تحملها رجال الدفاع الجوي والمهندسون العسكريون والمدنيون. وفي ظل ضغط الهجمات الجوية المعادية على القوات المسلحة، صدر الأمر اعتبارًا من 16 أبريل 1970 للبدء بتنفيذ كمائن الدفاع الجوي بكتائب الصواريخ “سام-2” في منطقة القناة.

ونجحت هذه الكمائن في إيقاع خسائر بطائرات العدو المقاتلة ومهدت الطريق لبناء حائط الصواريخ. حيث تحركت الكتائب إلى منطقة القناة على مراحل متتابعة خلال عشرة أيام مع إنشاء تحصينات لكل نطاق واحتلاله تحت حماية النطاق الخلفي. ومع اكتمال احتلال كتائب النيران لحائط الصواريخ تمكنت القوات من إسقاط أحدث الطائرات المقاتلة من طراز “فانتوم” و”سكاي هوك” وأسر طياريها، لتكون المرة الأولى التي تُسقط فيها طائرة فانتوم. وتوالى بعد ذلك سقوط الطائرات فيما عُرف بـ”أسبوع تساقط الفانتوم” ليصبح يوم 30 يونيو 1970 عيدًا لقوات الدفاع الجوي.

منع العدو من الاقتراب من قناة السويس

واستطاعت قوات الدفاع الجوي خلال الفترة من أبريل إلى أغسطس عام 1970 منع العدو الجوي من الاقتراب من قناة السويس والتوغل إلى العمق المصري، مما أجبر إسرائيل على قبول “مبادرة روجرز” ووقف إطلاق النار اعتبارًا من صباح 8 أغسطس 1970.

وأضاف قائد قوات الدفاع الجوي أنه خلال فترة وقف إطلاق النار نجحت القوات في حرمان العدو الجوي من استطلاع القوات المصرية المتمركزة على طول الجبهة عبر إسقاط طائرة الاستطلاع الإلكتروني “الإستراتوكروزر” عبر تنفيذ كمين جوي محكم بقوة كتيبتين صباح يوم 17 سبتمبر 1971.

وكشف قائد قوات الدفاع الجوي عن الدور المحوري الذي لعبته القوات في قطع الذراع الطولى لإسرائيل خلال حرب أكتوبر المجيدة مستندة إلى خبرات اكتسبها المقاتلون خلال حرب الاستنزاف بالإضافة إلى انضمام أنظمة دفاع جوي جديدة قادرة على مجابهة العدائيات الجوية المتفوقة كمًا ونوعًا.

ولفت إلى أنه اعتبارًا من الساعة الواحدة والنصف ظهر يوم 6 أكتوبر صدرت الأوامر باحتلال مراكز القيادة على جميع المستويات وفتح المظاريف التي تتضمن بيانات الضربة الجوية الأولى بهدف تأمين الطائرات المصرية في مهام الذهاب والعودة.

وأوضح أنه تم رفع حالة الاستعداد القتالي ومع الساعة الثانية وخمس دقائق عبرت الطائرات المصرية قناة السويس نحو أهدافها. وفي تمام الساعة الثانية وعشرين دقيقة بدأت موجات العبور الأولى لقوات المشاة، حيث نجحت قوات الدفاع الجوي في تأمين تلك الموجات بكفاءة.

وأشار إلى أنه عند الساعة الثانية وأربعين دقيقة رصدت محطات الرادار طائرات العدو وهي تقترب لتبدأ الصواريخ بالانطلاق وتسقط الطائرات المعادية مما أدى إلى انهيار أسطورة التفوق الجوي الإسرائيلي منذ الساعات الأولى للمعركة بتدمير أكثر من 25 طائرة وإصابة أعداد أخرى وأسر عدد من الطيارين. الأمر الذي دفع قائد القوات الجوية الإسرائيلية لإصدار أوامر بعدم الاقتراب من قناة السويس لمسافة تقل عن 15 كيلومترًا اعتبارًا من الساعة الخامسة مساءً.

توفير التغطية الصاروخية لتجميعات الجيوش الميدانية

أكد قائد قوات الدفاع الجوي أن القوات نجحت في توفير التغطية الصاروخية لتجميعات الجيش الميداني ونفذت انتقالات شرقًا بما يتماشى مع تقدم القوات البرية لتعميق مظلة الحماية. وفي صباح يوم 7 أكتوبر بدأ العدو بمهاجمة أهداف حيوية شمال ووسط الدلتا والبحر الأحمر إلا أن تشكيلات الدفاع الجوي تمكنت من التصدي لتلك الهجمات.

وفي يوم 8 أكتوبر سُجلت صفحة جديدة في تاريخ الدفاع الجوي المصري عندما استهدف العدو مدينة بورسعيد بهجمة جوية مركزة بقوة 50 طائرة. ورغم ما وقع من خسائر وأعطال ببعض كتائب الصواريخ، نجحت وسائل الدفاع الجوي في التصدي للهجوم حيث فقد العدو خلال الأيام الثلاثة الأولى للحرب ما يقرب من ثلث طائراته وأكفأ طياريه.

تكبيد العدو خسائر خلال حرب أكتوبر

وأشار قائد قوات الدفاع الجوي اعتبارًا من صباح يوم11 أكتوبر أعاد العدو الهجوم على مدينة بورسعيد بقوة بلغت (66) طائرة كانت تحلق على ارتفاعات عالية مطمئنة اعتقاداً منه بأنه نجح في إسكات وسائل الدفاع الجوي بالمنطقة. ولكن الأوامر صدرت بعدم الإشعاع على الطائرات ومع دخولها نطاق الاشتباك فتحت كتائب النيران نيرانها وأطلقت عشرات الصواريخ لتسقط الطائرات وسط هتافات شعب بورسعيد.

أكد قائد قوات الدفاع الجوي أن القوات نجحت خلال حرب أكتوبر في تكبيد العدو خسائر بلغت (326) طائرة وأسر (22) طياراً لتنتهي الحرب بنصر عسكري حاسم تبعه فرض خيار التفاوض وصولاً إلى نصر سياسي ودبلوماسي باسترداد سيناء وتعميرها.