كشفت الاضطرابات التي شهدها مضيق هرمز على خلفية الحرب مع إيران عن تنامي الثقل الاقتصادي لعدد من دول أمريكا اللاتينية، التي تشهد طفرة في صادرات النفط، وفي مقدمتها الأرجنتين والبرازيل وغويانا، مستفيدة من التحولات التي تشهدها أسواق الطاقة العالمية.
ورأت مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية أن حالة الحياد النسبي التي تتبناها دول المنطقة، إلى جانب بعدها الجغرافي عن بؤرة الصراع في الشرق الأوسط، أسهمت في زيادة جاذبية نفطها لدى المشترين الدوليين خلال الأزمة، وذلك في إطار إعادة تشكيل مسارات تجارة الطاقة العالمية. وقد وصف المدير التنفيذي لوكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، هذه الظاهرة مؤخرا بأنها تمثل تحولا مهما في خريطة إمدادات الطاقة.
وأشارت المجلة إلى أنه بينما تتحمل الدول المستوردة للطاقة أعباء ارتفاع الأسعار وتقلب الأسواق، بدأت بعض الدول المصدرة للنفط في أمريكا الجنوبية جني مكاسب اقتصادية واضحة. فقد رفع صندوق النقد الدولي مؤخرا توقعاته لنمو الاقتصاد البرازيلي خلال العام الجاري بمقدار نصف نقطة مئوية مقارنة بتقديراته الصادرة في أبريل، رغم الرسوم الجمركية الأمريكية التي أعلنت واشنطن أنها سترفعها إلى 25% على العديد من السلع البرازيلية.
ورغم أن صندوق النقد لم يحدث توقعاته الخاصة بالأرجنتين وغويانا، فإن تقديراته السابقة تشير إلى نمو اقتصادي يبلغ 3.5% للأرجنتين و16.2% لغويانا خلال العام الحالي.
وفي إطار التقديرات الإيجابية لاقتصادات بعض دول أمريكا الجنوبية المدعومة بارتفاع أسعار النفط، نجحت الأرجنتين الأسبوع الماضي في سداد شريحة من ديونها الخارجية بقيمة 4.3 مليار دولار، مما اعتُبر دليلا على نجاح جانب من الإصلاحات الاقتصادية التي يقودها الرئيس خافيير ميلي، بالتزامن مع تراجع معدل التضخم في يونيو إلى أدنى مستوى له خلال عشرة أشهر.
وترى لويزا بالاسيوس، الباحثة البارزة في مركز سياسة الطاقة العالمية بجامعة كولومبيا، أن ارتفاع أسعار النفط يدعم بشكل مباشر الاستقرار الاقتصادي الكلي في الأرجنتين. مشيرة إلى أن بيع النفط بالدولار مكّن البنك المركزي هناك من تعزيز احتياطياته من العملة الأمريكية. إلا أن هذه المكاسب لم تتحقق بالقدر نفسه في دول مثل المكسيك وكولومبيا، حيث تستوردان كميات كبيرة من الغاز الطبيعي مقابل تصدير النفط.
أما البرازيل فقد انتهجت سياسة مختلفة؛ فبعد الارتفاع الأولي في صادرات النفط مع بداية الأزمة، فرضت الحكومة منتصف مارس ضريبة بنسبة 12% على صادرات النفط بهدف تمويل دعم أسعار الوقود للمستهلكين المحليين. ورغم تراجع الصادرات نتيجة هذه الخطوة، انخفض معدل التضخم أيضا وهو مؤشر يحظى بأهمية خاصة مع اقتراب الانتخابات.
ولفتت “فورين بوليسي” إلى أن الضريبة الجديدة أثارت جدلا واسعا داخل البرازيل إذ لجأت بعض شركات النفط إلى القضاء للطعن في مشروعيتها معتبرة أنها غير قانونية وتؤثر سلبا على مناخ الاستثمار.
ويرى مراقبون أن الطفرة النفطية الحالية تمنح الدول المصدرة للطاقة في أمريكا اللاتينية نفوذا اقتصاديا وسياسيا متزايدا سواء من خلال تعزيز قدرتها على سداد الديون الخارجية أو الحفاظ على استقرار أسعار الوقود محليا وسط الضغوط الاقتصادية العالمية.
وأكدت المجلة الأمريكية أنه رغم ازدهار قطاع الوقود الأحفوري في دول أمريكا الجنوبية، فإن ذلك لا يعني بالضرورة تراجع مسار التحول نحو الطاقة النظيفة الذي تدعمه بعض الدول. إذ إن تحسن الأوضاع الاقتصادية الكلية يمنح هذه الدول قدرة أكبر على تمويل الاستثمارات الخضراء كما يؤدي الاستقرار الاقتصادي إلى خفض تكلفة الاقتراض مما يسهل تنفيذ مشروعات الطاقة المتجددة.
وخلصت المجلة إلى أن مستقبل الطاقة في أمريكا اللاتينية لن يقتصر رغم ازدهار مبيعات النفط مؤخرا على النفط وحده بل سيمتد أيضا إلى التوسع في مصادر الطاقة النظيفة.

