تدخل الأزمة الأمريكية الإيرانية مرحلة جديدة من التعقيد، في ظل استمرار حالة الجمود التي تسيطر على مسار المفاوضات، وغياب إطار زمني واضح يمكن أن يقود الطرفين إلى اتفاق محدد. وبينما تتحرك الاتصالات عبر قنوات الوساطة الإقليمية، وعلى رأسها سلطنة عمان، يبدو أن الملفات الأكثر حساسية لا تزال بعيدة عن تحقيق اختراق حقيقي، في وقت تعيد فيه طهران ترتيب أولوياتها وتبحث عن أوراق ضغط جديدة يمكن توظيفها على طاولة التفاوض.
في هذا السياق، تتزايد أهمية مضيق هرمز باعتباره إحدى أبرز أدوات الضغط التي يمكن أن تستخدمها إيران في إدارة الأزمة، بالتزامن مع استمرار الخلافات حول الملف النووي والبرنامج الصاروخي والعقوبات ومدد الاتفاق والتعويضات. بينما تحاول الأطراف الإقليمية إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، تبدو المفاوضات بحاجة إلى تطور مفصلي يعيد رسم مسارها ويمنع تحولها إلى عملية طويلة من تبادل الرسائل دون نتائج ملموسة.
الأزمة الأمريكية الإيرانية.
قال الدكتور طارق فهمي، أستاذ العلوم السياسية، إن الأزمة الأمريكية الإيرانية تتجه إلى سيناريوهات مفتوحة، في ظل عدم وجود إطار زمني واضح أو التزامات محددة من جانب الطرفين. وأكد أن المفاوضات الحالية لم تحقق تقدماً ملموساً في الملفات الرئيسية.
وأوضح فهمي أن الاتصالات بين واشنطن وطهران تتحرك حالياً عبر مسارين. الأول يتمثل في سلطنة عمان التي تطرح أفكاراً تتعلق بفتح ممر بين الطرفين بهدف إبقاء قنوات التواصل قائمة. مشيراً إلى أن هذه الأفكار تعيد طرح مقترحات جرى تداولها خلال الأسابيع الماضية دون أن تتضمن تحولاً جوهرياً في الموقف التفاوضي.
لفت أستاذ العلوم السياسية إلى وجود تحفظات أمريكية على هذا المسار، وهو ما يحد من قدرته على تحقيق اختراق سريع في الأزمة. موضحاً أن استمرار الاتصالات لا يعني بالضرورة حدوث تقدم في القضايا الأساسية محل الخلاف.
وأشار إلى أن المسار الثاني يرتبط بالملفات الرئيسية التي تمثل جوهر الخلاف بين الطرفين، وفي مقدمتها الملف النووي والبرنامج الصاروخي، بالإضافة إلى القضايا المتعلقة بمدد الاتفاق والتواريخ والتعويضات ومنظومة العقوبات.
وأضاف أن هذه الملفات جرى تأجيلها ولم تعد مطروحة بالجدية نفسها على طاولة التفاوض في المرحلة الحالية، مما يعكس صعوبة الوصول إلى تفاهمات مباشرة بشأن القضايا الأكثر حساسية بين واشنطن وطهران.
أكد فهمي أن حالة الإرهاق بدأت تطال جهود الوساطة، في ظل تعدد المسارات وعدم قدرة الوسطاء حتى الآن على تحويل الاتصالات إلى تفاهمات سياسية واضحة. مشيراً إلى أن الدور الباكستاني أصبح أقرب إلى نقل الرسائل بين الأطراف بدلاً من ممارسة دور الوسيط الفعلي القادر على تقريب وجهات النظر.
وأوضح أن استمرار الوضع على هذه الصورة يجعل الأزمة مفتوحة على أكثر من احتمال، خاصة مع عدم وجود جدول زمني واضح للمفاوضات ولا تستند إلى التزامات متبادلة يمكن البناء عليها للوصول إلى اتفاق نهائي.
في تطور لافت في طبيعة الموقف الإيراني، قال الدكتور طارق فهمي إن إيران لا ترغب حالياً في التفاوض بشأن القضايا الرئيسية وتسعى بدلاً من ذلك إلى توظيف ملف مضيق هرمز كورقة ضغط تفاوضية وسط استمرار الجمود بين طهران وواشنطن.
إيران تعيد ترتيب أولوياتها
أوضح فهمي أن إيران أعادت ترتيب أولوياتها خلال المرحلة الحالية، خصوصاً بعد التغييرات التي شهدتها المؤسسة العسكرية وقيادات القوات المسلحة والحرس الثوري. مشيراً إلى أن طهران تركز بصورة أكبر على ملف مضيق هرمز وتبقيه مفتوحاً أمام التفاوض بينما تستبعد الملفات الأخرى من دائرة النقاش الفعلي حالياً.
يرى أستاذ العلوم السياسية أن هذا التحول يعكس محاولة إيرانية لإعادة توزيع أوراق القوة في الأزمة بحيث لا تتركز المفاوضات فقط حول الملفات التي تطرحها الولايات المتحدة وإنما تمتلك طهران بدورها ورقة يمكن أن تؤثر في حسابات الطرف الآخر.
وأضاف أن التفاوض بشأن مضيق هرمز لا يقتصر على الاتصالات مع سلطنة عمان وإنما يرتبط أساساً بالجانب الأمريكي. موضحاً أن دخول مسقط على خط الوساطة يمنح الأطراف مزيداً من الوقت للحفاظ على قنوات الاتصال لكنه قد يؤدي أيضاً لتشعب مسارات الأزمة وتعدد القنوات التي تتحرك من خلالها الرسائل والمقترحات.
مضيق هرمز.. ورقة ضغط إيرانية
أكد فهمي أن مضيق هرمز يمثل إحدى أقوى الأوراق التي تمتلكها إيران حالياً ويمكن استخدامه للتأثير في مسار التفاوض وإطالته خصوصاً مع استمرار الخلافات حول الملفات الرئيسية.
تكمن أهمية المضيق في موقعه الاستراتيجي وحساسية حركة الملاحة والطاقة من خلاله مما يجعل أي توتر حوله محل اهتمام إقليمي ودولي واسع. وبالتالي فإن إبقاء هذا الملف مفتوحاً أمام التفاوض يمنح طهران مساحة للمناورة السياسية ويجعل حسابات واشنطن أكثر تعقيداً.
في المقابل لا تبدو الإدارة الأمريكية بمنأى عن الضغوط إذ أشار فهمي إلى أنها تواجه ضغوطاً داخلية من الحزب الجمهوري والكونجرس بالإضافة لتحفظات داخل المؤسسة العسكرية مما يضيف مزيداً من التعقيد لعملية اتخاذ القرار بشأن كيفية إدارة الأزمة مع إيران.
يرى فهمي أن هذه الضغوط الداخلية بجانب الحسابات الإيرانية تلقي بظلالها على إدارة الأزمة وتجعل الوصول لتسوية سياسية أمراً مرتبطاً بتطورات جديدة قد تحدث على المستويين السياسي والميداني.
مفاوضات بحاجة إلى اختراق
أكد أستاذ العلوم السياسية إن المشهد التفاوضي يحتاج لتطور مفصلي يعيد تشكيل مسار المفاوضات موضحًا إن استمرار الوضع الحالي قد يؤدي لمزيد من إطالة أمد الأزمة خاصة مع غياب تقدم واضح في الملفات الرئيسية.
تبدو المعادلة الحالية قائمة على محاولة كل طرف تحسين موقعه قبل العودة للتفاوض الجاد؛ فواشنطن تواجه حسابات داخلية وضغوطًا سياسية وعسكرية بينما تحاول طهران إعادة ترتيب أوراقها واستثمار نقاط القوة التي تمتلكها وعلى رأسها ملف مضيق هرمز.
في ظل هذه المعطيات يبقى مستقبل الأزمة الأمريكية الإيرانية مفتوحًا على عدة سيناريوهات منها استمرار الاتصالات غير المباشرة لفترة أطول أو ظهور مبادرة جديدة قادرة على تحريك الملفات المجمدة أو حدوث تطورات سياسية أو ميدانية تفرض على الطرفين إعادة النظر في حساباتهما.

