يتفق الفيلسوف العربي محمد عثمان الخشت مع ما ذهب إليه الفيلسوف الأمريكي جون ديوي في الدعوة إلى مفارقة الجمود في عالم متحول؛ فقد كتب الدكتور الخشت في أحد عناوين فصول كتابه نحو “تأسيس عصر ديني جديد.. حتى لا نعيد إنتاج عقول مغلقة”.

هذا العنوان يبرهن على أن فلسفة الخشت في التعلم القائم على الخبرة ترفض التلقين في العملية التعليمية، إذ يشير إلى أن أحد أهم أسباب الحروب والصراعات السياسية المرضية يكمن في انغلاق العقل واختلال بنيته، وعدم انضباط منهج التفكير، والعجز عن تحويل الفكر العلمي إلى فعل وبناء وتنمية.

تخلف مناهج التعليم كسبب رئيسي للإرهاب

ويرجع هذا الأمر في أحد جوانبه إلى التعليم القائم على الحفظ والتلقين، وليس ضبط وتنمية منهج التفكير. إن تخلف مناهج التعليم يُعد أحد الأسباب الرئيسية لمشكلة الإرهاب بجوار الأسباب السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

التعليم القائم على التلقين لا ينتج عقولًا إيجابية

كما يؤكد الدكتور محمد الخشت أن مناهج التعليم القائمة على التلقين لا تصنع عقولًا إيجابية منفتحة وفعالة، بل تُنتج عقولًا مغلقة وغير منتجة، غير قادرة على رؤية نفسها ورؤية العالم بطريقة منضبطة. هذه العقول تفتقر إلى مهارات البحث والفهم والتحليل والاستنتاج والنقد الموضوعي والابتكار، وعاجزة عن تحويل الفكر العلمي إلى خريطة عمل.

النظرة المستقبلية كركيزة للتعليم

يتفق الدكتور الخشت مع موقف الفيلسوف ديوي بأن النظرة المستقبلية هي الحاكمة لمسيرة التعليم، فالمتعلمون يتخرجون ليواجهوا المستقبل وليس الحاضر فقط. يحتاج الإنسان المستقبلي إلى نوعية جديدة من التعليم تقدم له أسلوب حياة وطريقة عمل تعتمد على التعلم بدل التعليم، والبحث بدل النقل، والحوار بدل الاستماع.

استحداث مناهج جديدة مبنية على النمو

لابد من تعليم يقوم على استحداث مناهج جديدة قائمة على أسس النمو في تصميم المشاريع البحثية والتميز في أداء الباحثين والطلاب. لقد أصبحت سمة العلم الجديدة هي “العائد الفوري” بلغة الاقتصاد.

الحلول العلاجية بين ديوي والخشت

لا تختلف الحلول العلاجية المقدمة بين الفيلسوف ديوي والدكتور الخشت؛ فقد أكد كلاهما أن المخرج من الجمود يكون بتطبيق نوعية جديدة من التعليم تقدم أسلوب حياة وطريقة عمل تعتمد على التعلم بدل التعليم والحوار بدل الاستماع.

إدراج طرق تدريس حديثة

يجب إدراج طرق تدريس جديدة قائمة على التربية الحوارية التي تهدف إلى تخريج شخصية حرة واعية قادرة على الحوار. هذا النوع من التربية يُعزز تكوين المواقف والآراء الجديدة.

التعليم الحواري مقابل التعليم البنكي

هذا هو أيضًا مقصد الفيلسوف باولو فريري من كتابه الشهير “التعليم من أجل العقل النقدي” حيث يميز بين التعليم الحواري والتعليم البنكي الذي يقوم فيه المعلم بإيداع المعلومات في ذهن الطالب. بينما ينبغي أن يكون التعليم ممارسة للحرية حيث يوفر الحوار إمكانية الإنسان للتناقش وإعادة تشكيل هويته.

مواجهة الإرهاب تبدأ ببناء العقل النقدي

تكشف المقارنة بين الدكتور محمد عثمان الخشت والفيلسوفين جون ديوي وباولو فريري أن مواجهة الإرهاب لا تبدأ بالإجراءات الأمنية وحدها، بل ببناء العقل النقدي وترسيخ ثقافة الحوار وإعادة صياغة التعليم ليكون مشروعًا لصناعة الإنسان الحر القادر على التفكير والإبداع.

إصلاح التعليم كمشروع حضاري

إن مواجهة الإرهاب لا تُحسم بالسلاح وحده، بل تبدأ أولاً من قاعة الدرس حين يُبنى العقل على التفكير الحر والحوار والنقد بدلاً من الحفظ والتلقين. ومن هذا المنطلق يصبح إصلاح التعليم مشروعًا حضاريًا لحماية الإنسان والمجتمع قبل أن يكون مشروعًا أكاديميًا لتطوير المناهج.