منذ إطلاق شركة “أوبن إيه آي” تطبيق ChatGPT في أواخر عام 2022، بدا وكأن العالم دخل سباقًا جنونيًا نحو الذكاء الاصطناعي. شركات عملاقة في وادي السيليكون -بداية من جوجل إلى مايكروسوفت- غيّرت استراتيجياتها بالكامل لتواكب هذه الموجة.

استثمارات بمليارات الدولارات ضُخّت في نماذج لغوية تولّد النصوص والصور والموسيقى، بينما تسابق المستثمرون حول العالم لإيجاد “اليونيكورن” القادم. لكن كبار الاقتصاديين في وادي السيليكون بدأوا يتساءلون: هل نعيش فعلاً فقاعة ذكاء اصطناعي جديدة؟

من أين تبدأ الفقاعات؟

لفهم ما يحدث، نعود إلى عام 2019 حين نشر الاقتصاديان “برنت جولدفارب” و”ديفيد كيرش” دراسة موسعة تحت عنوان:.

“Bubbles and Crashes: The Boom and Bust of Technological Innovation” عن دار النشر التابعة لجامعة ستانفورد.

قام الباحثان بتحليل أكثر من 50 ابتكارًا تكنولوجيًا على مدى قرن ونصف من الإضاءة والكهرباء وصولًا للإنترنت، لتحديد ما الذي يجعل تقنيةً ما تتحول إلى فقاعة مضاربة تنتهي بانفجار مالي أو انهيار توقعات.

وتوصل الباحثان إلى أن هناك أربعة عوامل رئيسية ترفع احتمالية تشكّل الفقاعة:.

  • غياب اليقين حول الجدوى الفعلية للتقنية.
  • وجود مستثمرين مبتدئين ينجذبون إلى الضجيج أكثر من التحليل.
  • ظهور شركات مخصّصة بالكامل للتقنية الجديدة (pure-play firms).
  • سرد جذّاب أو قصة عظيمة عن مستقبل التقنية تغيّر العالم وتخلق ثروة جديدة.

عندما تجتمع هذه العناصر الأربعة، تبدأ الفقاعات بالتمدد تمامًا كما حدث في فقاعة الإنترنت أواخر التسعينات حين كانت أي شركة تضع كلمة “com” في اسمها تجذب الملايين من المستثمرين.

هل تنطبق هذه العوامل على الذكاء الاصطناعي؟

في الظاهر، نعم، وبشكل مقلق أكثر! فمنذ صعود ChatGPT لم تُثبت أغلب شركات الذكاء الاصطناعي نموذج عمل مستدام حتى الآن. وفقًا لتقرير نُشر على منصة Wired (في أكتوبر 2024)، لا تزال شركات مثل OpenAI وAnthropic وInflection تحرق المليارات سنويًا لتشغيل نماذجها.

بينما تكاليف التشغيل لم تنخفض فعليًا، بل إن بعض التقديرات تشير إلى أن كل استعلام يطرحه المستخدم على ChatGPT يكلف الشركة أكثر مما تحقق من عائد! إلى جانب ذلك، يواجه القطاع أزمة قانونية وأخلاقية مع دعاوى حقوق النشر التي قد تُجبر الشركات على ترخيص البيانات التي درّبت بها نماذجها، مما يعني مليارات إضافية قد تُدفع للناشرين وصانعي المحتوى.

وفي حال حُكم ضد الشركات، هل ستنقل هذه التكاليف إلى المستخدمين؟ أم ستنهار نماذج الاشتراك القائمة أصلًا على الخسارة؟

اقتصاد الضجيج قبل القيمة

يرى “غولد فارب” أستاذ الاقتصاد وإدارة الأعمال في جامعة ميريلاند بالولايات المتحدة الأميركية في مقابلة حديثة مع منصة Wired أن ما يحدث مع الذكاء الاصطناعي يشبه مرحلة الضجيج قبل الحقيقة. موضحًا: عادةً ما يقلّ عدم اليقين بمرور الوقت إذ يتعلّم الناس ما الذي ينجح وما لا ينجح، لكن مع الذكاء الاصطناعي لم يحدث ذلك بعد؛ نحن أمام حدود متعرجة وبعض الادعاءات حول فعاليته كانت أقل من المأمول.

وبمعنى آخر، فإن الذكاء الاصطناعي لم يجد بعد توازنه بين الواقع والحلم. فهو يعيش اليوم حالة ضجيج استثماري أكثر مما يعيش نضجًا تقنيًا! النتائج المبهرة موجودة.. نعم، لكنها لا تزال مكلفة وغير مربحة ومحدودة بقدرات الطاقة والحوسبة التي تستهلك موارد هائلة.

القصة التي تخدع السوق

لكن الفقاعات -كما يشرح غولدفارب وكيرش- لا تُبنى بالأرقام فقط بل بالسرد. والذكاء الاصطناعي يمتلك أقوى سرد في التاريخ الحديث؛ قصة العقل الرقمي الذي سيتفوّق على الإنسان ووعود الثروة والابتكار والرفاهية!

هذا السرد الجذاب يُحرّك الأسواق والمستثمرين والإعلام ويحوّل الابتكار إلى ما يشبه الأسطورة التقنية. فكل جيل يحتاج قصته الخاصة؛ ففي التسعينات كانت الإنترنت، وفي العقد الماضي كانت العملات المشفرة، واليوم القصة الجديدة تُسمّى الذكاء الاصطناعي.

بين الفقاعة والثورة

وبرغم كل ذلك، لا تنتهي كل فقاعة بانفجار مأساوي؛ فبعض الفقاعات -كما يذكر الباحثان- تُمهّد الطريق لثورات حقيقية. فقاعة الإنترنت مثلًا دمّرت مئات الشركات لكنها تركت وراءها جوجل وأمازون وفيسبوك؛ أي أن الفقاعة قد تكون المرحلة الانتقالية الضرورية بين الحلم والواقع.

<p وبناءً على ذلك، يرى بعض الاقتصاديين أن الذكاء الاصطناعي يمرّ بما يسمّى دورة التوقّعات المتضخمة؛ وهي المرحلة التي يُبالغ فيها السوق في تقدير قدرات التقنية قبل أن تهدأ وتُعيد تقييمها. وهذا يعني أن ما نعيشه اليوم ليس بالضرورة انهيارًا وشيكًا بل ربما مرحلة فرز وتمييز بين من يمتلك رؤية حقيقية ومن يركب الموجة.

أين يقف الإنسان وسط هذه الفقاعة؟

القلق لا يقتصر على الاقتصاد فقط بل يمتد ليشمل المعنى الإنساني أيضًا. فعندما يتحول الذكاء الاصطناعي إلى شعار استثماري أكثر منه أداة لخدمة الإنسان، تضيع الأسئلة الجوهرية مثل كيف نحافظ على القيم؟ الخصوصية؟ التوظيف؟ هل سيصبح الإبداع ملكًا للخوارزميات؟ وهل سيظل الإنسان في موقع القيادة؟!

هذه الأسئلة لا تقل أهمية عن سؤال: من سيربح؟ لأن التاريخ يخبرنا أن كل فقاعة تقنية تنفجر حين ينسى الإنسان السبب الذي وُجدت من أجله. فالذكاء الاصطناعي اليوم في لحظة حاسمة؛ إما أن يتحوّل إلى ثورة حقيقية تُعيد بناء الاقتصاد الرقمي وإما أن ينكشف كأضخم فقاعة تكنولوجية في القرن الحادي والعشرين.