“إذا رأيتموني فابكوا”.. عبارة تعود إلى الواجهة بعدما كشفت المياه المنحسرة في أنهار ألمانيا عن ما يُعرف بـ”حجارة الجوع” التي ارتبط ظهورها تاريخياً بسنوات الجفاف والمجاعة. اليوم، تبدو عودتها بمثابة إنذار جديد، في وقت يضغط فيه الجفاف على نهر الراين ويُهدد حركة الشحن والصناعة وسلاسل الإمداد.
ترتبط “حجارة الجوع” تاريخياً بسنوات القحط وانخفاض مناسيب الأنهار، وتحمل بعض هذه الصخور نقوشاً يعود تاريخها إلى قرون مضت، من بينها حجر شهير على نهر إلبه يرجع أحد نقوشه إلى عام 1616، وفق تقرير “فايننشال إكسبرس”.
خلال موجتي “الجفاف” اللتين ضربتا أوروبا في عامي 2018 و2022، ظهرت هذه الحجارة مجدداً، لتتحول من مجرد شواهد تاريخية على “سنوات القحط والجوع” إلى رموز تعكس تكرار موجات الجفاف وارتباطها بالتغيرات المناخية.
موجة جفاف تضرب ألمانيا
تأتي عودة “حجارة الجوع” في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع معدلات هطول الأمطار، ما أدى إلى انخفاض مستويات المياه في عدد من الأنهار وتفاقم جفاف التربة في مناطق واسعة من ألمانيا.
ولا تقتصر خطورة الوضع على تراجع منسوب المياه، إذ تعتمد قطاعات اقتصادية واسعة على الأنهار لنقل المواد الخام والطاقة والسلع، مما يجعل استمرار الجفاف “مصدراً متزايداً للقلق” بالنسبة للصناعة وسلاسل الإمداد.
الراين.. الجفاف يضرب شريان الصناعة
تظهر التداعيات الاقتصادية للجفاف بصورة أكثر وضوحاً على “نهر الراين”، الذي يُعد أكبر وأهم ممر مائي داخلي في ألمانيا، ويستحوذ على نحو 80% من حركة الشحن النهري في البلاد.
تنقل عبر الراين كميات ضخمة من الحبوب والفحم والنفط والوقود والمعادن والمواد الكيميائية وغيرها من السلع الأساسية، مما يجعل أي اضطراب في الملاحة عبره ينعكس سريعاً على قطاعات صناعية متعددة.
وانخفض العمق الملاحي عند منطقة “كاوب”، إحدى أهم نقاط الاختناق في النهر بالقرب من كوبلنز، بنحو 24 سنتيمتراً، مقترباً من المستويات القياسية التي شهدتها المنطقة خلال أزمة الجفاف عام 2018، وفق تقارير إعلامية ألمانية.
السفن تخفض حمولاتها والتكاليف تقفز
أجبر شح المياه سفن الشحن على الإبحار بما لا يتجاوز نحو 20% من حمولتها المعتادة في بعض المناطق، وهو ما يعني الحاجة إلى توزيع البضائع على عدد أكبر من السفن، وبالتالي ارتفاع تكاليف النقل بالنسبة للشركات.
وانعكست أزمة انخفاض مناسيب المياه سريعاً على أسعار الشحن، إذ ارتفعت تكلفة نقل الطن عبر ناقلات الأنهار من روتردام إلى كارلسروه إلى ما بين 150 و160 يورو، مقارنة بنحو 45 يورو فقط في نهاية يونيو.
ومع صعوبة وصول السفن إلى بعض نقاط التحميل والتفريغ، بدأت شركات صناعية في تحويل جزء من شحناتها إلى السكك الحديدية والطرق البرية. لكن البدائل البرية لا تُوفر حلاً سهلاً في ظل محدودية قدرة الطرق والسكك الحديدية على استيعاب الكميات الضخمة التي ينقلها الراين، فضلاً عن ارتفاع تكاليف النقل مقارنة بالممرات المائية.
شركات صناعية كبرى تحت الضغط
تزداد المخاوف مع اعتماد شركات صناعية كبرى مثل “باسف” و”تيسنكروب” و”باير” و”كوفيسترو” على نهر الراين في نقل المواد الخام والمنتجات.
وحذّرت رابطة الصناعات الكيميائية الألمانية من ارتفاع تكاليف النقل واحتمال اضطرار بعض الشركات إلى خفض مستويات الإنتاج إذا استمرت أزمة انخفاض المياه لفترة طويلة. ولا تتوقف التداعيات المحتملة عند الشركات المتضررة مباشرة؛ إذ يمكن أن تمتد آثار اضطراب النقل النهري إلى النمو الاقتصادي الألماني وسط صعوبة تعويض دور الراين بوسائل النقل الأخرى.
وحذّرت “أكسفورد إيكونوميكس” من أن استمرار الجفاف قد يقتطع نحو 0.2 نقطة مئوية من النمو الفصلي. فيما وصف كارستن برزيسكي رئيس الاقتصاد الكلي العالمي في “آي إن جي” منطقة كاوب بأنها تمثل “مضيق هرمز الألماني” إشارةً إلى أهميتها الاستراتيجية بالنسبة للاقتصاد.
مشروع لتعميق الراين ينتظر منذ 34 عاماً
أعاد الانخفاض الحاد في منسوب الراين إلى الواجهة مشروعاً حكومياً لتعميق الممر الملاحي عند منطقة كاوب. هذا المشروع طُرح للمرة الأولى عام 1992 لكنه لم يُنفذ حتى الآن بسبب الاعتراضات البيئية وتغير الأولويات السياسية وطول إجراءات التخطيط بحسب “فايننشال تايمز”.
وأُعيد إدراج المشروع ضمن أولويات الحكومة الألمانية عام 2019 بعدما أظهرت أزمة انخفاض مناسيب المياه التأثير الاقتصادي الكبير الذي يمكن أن يُسببه تعطل الملاحة النهرية. تُشير الخطط الحالية إلى تنفيذ أعمال التعميق بحلول عام 2033 لتقليل مخاطر تكرار الأزمات المرتبطة بانخفاض مناسيب المياه. وأكد وزير النقل الاتحادي الألماني شتيفن بيلغر أن برلين تمضي قدماً في مشروع تعميق الجزء القريب من كاوب واصفاً المشروع بأنه يحظى بمصلحة عامة عليا بالتزامن مع إجراءات حكومية تستهدف تبسيط وتسريع الموافقات المتعلقة بمشروعات البنية التحتية.
الجفاف يصل إلى الحقول والأسواق
لا تتوقف تداعيات الجفاف عند قطاعي الصناعة والشحن؛ بل بدأت آثار نقص المياه تظهر كذلك في القطاع الزراعي مع تراجع المعروض من بعض الخضراوات والمحاصيل المزروعة في الحقول المفتوحة. وتشمل المحاصيل المتأثرة الخس والبروكلي والقرنبيط والجزر بالإضافة إلى البطاطس وسط الصعوبات التي تواجه المزارعين نتيجة انخفاض معدلات المياه وارتفاع درجات الحرارة.
بدأ المزارعون الألمان التكيف مع الظروف الجديدة عبر تغيير أساليب الزراعة واستخدام أصناف نباتية أكثر قدرة على تحمل الظروف المناخية بالإضافة إلى تنويع المحاصيل لتوزيع المخاطر وتقليل الخسائر المحتملة الناجمة عن الجفاف.
من الجفاف إلى أسعار الغذاء
ومع انتقال تأثير الجفاف من الحقول إلى الأسواق تتزايد المخاوف بشأن انعكاس انخفاض الإنتاج المحلي لبعض المحاصيل على أسعار المواد الغذائية. فالتراجع المحتمل في الإنتاج الزراعي يتزامن مع ارتفاع تكلفة نقل السلع بسبب اضطراب حركة الملاحة النهرية مما قد يُضيف ضغوطًا جديدة على أسعار المنتجات الغذائية والوقود ومواد البناء.
No يعني ظهور حجارة الجوع أن ألمانيا تواجه خطر المجاعة؛ إذ لا تزال إمدادات مياه الشرب مستقرة ومضمونة على المستوى الوطني كما تمتلك البلاد بنية اقتصادية ونظامًا غذائيًا قادرين على التعامل مع الاضطرابات. لكن تكرار موجات الجفاف وشدتها المتزايدة يجعل قطاعات الغذاء والنقل والصناعة أكثر عرضة للصدمات ويرفع تكلفة التكيف مع الظروف المناخية الجديدة.
أزمة مناخية تتجاوز نقص المياه
مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة وما يصاحبه من مخاطر متزايدة لحرائق الغابات تتسع صورة الأزمة المناخية التي تواجهها ألمانيا لتتجاوز مجرد انخفاض مناسيب الأنهار. فمن حجارة الجوع التي تظهر بعد قرون من اختفائها إلى اضطراب حركة الشحن وارتفاع تكاليف النقل والضغط على المحاصيل الزراعية تكشف أزمة الجفاف الحالية كيف يمكن لتغير المناخ أن يتحول من ظاهرة بيئية إلى تحدٍ مباشر أمام الصناعة والغذاء وسلاسل الإمداد والاقتصاد الألماني.

