قال جلال الدين الرومي: “حتى أحلك الليالي ستنتهي، وسوف تشرق الشمس مرة أخرى”، هكذا استقبلتُ عرض “شهرزاد” لموسيقى كورساكوف و”بوليرو” لرافيل، من تصميم الفنان وليد عوني، بعد مشاهدتهما على المسرح الكبير بدار الأوبرا المصرية. عرضان في ليلة واحدة جمعا بين السحر والخيال، مما أثار العقول وأمتعها.
لم يتناول وليد عوني حكايات ألف ليلة وليلة من منظور الأسطورة المجردة، ولم يقدم لنا شهرزاد التقليدية، بل فكك البناء الدرامي السردي التقليدي وأعاد تجميعه في لوحات بصرية مبتكرة من خياله.
استنسخ عوني نسخًا متعددة من أبطاله واستبدل مسرور بمسرورة، مما جعل منها رمزًا للسلطة المتحكمة التي قد تعكس من يحركون الملك، فهي تغوي وتأمر وتثور وتنقلب. كما استبدل شهريار بشخصية جديدة تحمل نفس الاسم ولكن بمعانٍ مختلفة.
إن استخدام الحكايات بشكل متناثر دون رابط درامي واضح فتح بابًا أوسع للتلقي والتأويل. على الرغم من أن عروض الرقص المسرحي الحديث تعتمد بالأساس على الرمزية والمجاز، فإننا نشهد عرضًا يمزج بين الأسطورة القديمة والفكرة الحديثة.
ظهر ذلك جليًا في تنوع الأزياء والموسيقى بين القديم والحديث، حيث مزج بين موسيقى كورساكوف الكلاسيكية ومقطوعات من الأغاني الشرقية، مستخدمًا سينوغرافيا سينمائية على جانبي المسرح نقلت الجمهور إلى قلب كتاب ألف ليلة وليلة.
انتهى عرض شهرزاد بمشهد تتقاطع فيه صفحات حكاياتها، التي جسدها وليد عوني بستائر متحركة في حركة متقاطعة أمام أبطال العرض، وكأنه يقول: حكاية وراء حكاية.. هكذا نجت شهرزاد بعد ليالٍ حاولت فيها الحفاظ على حياتها.
ومن شهرزاد إلى بوليرو لرافيل، ذلك اللحن التكراري ثلاثي الإيقاع الذي يبدأ بهدوء ثم يتصاعد ليصبح ثائرًا. هذه الرابطة جعلتني أرى أن بوليرو تكمل حكاية شهرزاد؛ فبعد النجاة لا تنتهي الحياة بل تبدأ.
انتقلت الحكاية إلى صراع أوسع في معناه؛ فإن كانت شهرزاد قد واجهت حتمية قتلها على يد شهريار واستطاعت بذكائها أن تنجو، فإن نجاتها تحولت إلى مواجهة الإنسان مع نفسه من خلال تفاعله مع الكون.
تبدأ سينوغرافيا بوليرو من نقطة بعيدة في الفضاء كأنها الانفجار الأول الذي وُلدت منه الحياة. بدا الراقصون في تفاعلهم كأناس يستكشفون الحياة عبر طقس راقص يجمع بين الرغبة والتمرد والثورة تحت دائرة تتأرجح بين كونها كرة تشبه الشمس وبين كونها مرآة تعكس أنفسهم. ولكن ما يثير الدهشة هو أنها مرآة متكسرة تعكس كل ما لا يرغبون في رؤيته!
النور.. ذلك المعنى المتكرر في كلا العرضين يظهر تأثر الفنان وليد عوني بهذا العنصر بوصفه رمزًا للاكتمال والنضج الروحي. وقد وظفه في مشهد رقصة السما (المولوية الصوفية) في عرض شهرزاد حيث أطلق طاقات النور من رؤوس الراقصين.
كما كرر توظيف عنصر النور في عرض بوليرو، فجعل الفضاء متفجرًا بالنجوم والشمس. ربما أراد أن يقول إن لكل منا شمسه الخاصة وعليه أن يسعى للقائه كما التقى جلال الدين الرومي بشمس التبريزي.

