إن القضاء على التهديد الإيراني النووي لإسرائيل، سواء من خلال إسقاط النظام الإيراني أو إضعافه ونزع طموحه النووي، يُعتبر الهدف الرئيسي لقرار ترامب بالحرب. ما قيل حول إعادة تشكيل النظام الدولي والإقليمي والهيمنة على النفط العالمي وغيرها من الأهداف يُعد مبالغات غير موضوعية، إذ إن الأمر استدعى حربًا باهظة التكاليف.
لكن لا يمنع ذلك وجود عدة أهداف استراتيجية خفية كانت بمثابة محفز للحرب، أو وجدت سبيلها للتحقيق كفرصة خلال الصراع، ومن بينها تقويض طريق الحرير الصيني أو مبادرة الحزام والطريق.
لا تغيب الصين عن أي قرار أو استراتيجية عالمية لواشنطن بصورة مباشرة أو غير مباشرة، باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأخطر على الإطلاق للهيمنة الأمريكية. منذ إطلاق طريق الحرير في عام 2013، تعيش واشنطن حالة من الارتباك والشك.
على الرغم من نفي الصين القاطع لأي أهداف جيوسياسية للطريق، إلا أن واشنطن باتت مقتنعة بأنه أخطر مشروع لترسيخ الهيمنة العالمية للصين عبر قناع الاقتصاد والقوة الناعمة والمعيارية، بالنظر إلى عالمية الطريق وحجم الإنفاق الباهظ له، بالإضافة إلى رغبة الصين المعلنة في القيادة الدولية.
تشكل إيران أهم العقد الاستراتيجية العالمية للطريق؛ فهي الدولة الشرق أوسطية الأهم على الإطلاق في هذا السياق، نظرًا لموقعها الحيوي الذي يربط بين الشرق الأوسط وآسيا الوسطى وجنوب آسيا. كما تهيمن إيران على مضيق هرمز وتملك أكبر احتياطات عالمية من النفط والغاز وثروات معدنية غير مكتشفة تقدر بالتريليونات. وبالتالي، تحقق إيران للصين عبر الطريق أهدافًا استراتيجية لا حصر لها.
من أبرز هذه الأهداف: النفوذ على نفط الخليج وممراته البحرية خاصة مضيق هرمز، مما يساعد في التخلص من معضلة مضيق ملقا ذات الهيمنة الأمريكية. كما يُعزز هذا النفوذ المتعاظم للصين في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا الوسطى على حساب واشنطن وروسيا ويقوض النفوذ الهندي في المحيط الهندي والبحر الأحمر.
كما يتيح ذلك إمكانية توسيع الحضور العسكري البحري في البحر الأحمر وجنوب آسيا، خاصةً في ظل السيطرة الصينية التامة على ميناء “جوادر” الباكستاني.
لذا، ضخت الصين مليارات الدولارات في مشروعات بنية تحتية في إيران في إطار المبادرة. وفي عام 2025، وقعت اتفاقية تحالف استراتيجي لمدة 25 عامًا مع طهران تضمنت إمكانية نشر قوات عسكرية في غرب إيران.
ثمة جدل واسع حول خسائر وأرباح الصين من حرب إيران؛ إذ يرى كثيرون أن الحرب تُضعف الولايات المتحدة عسكريًا واستراتيجيًا وتساهم في زيادة الانقسام الداخلي فيها وتشوه صورتها دوليًا. ويصب كل ذلك الإضعاف والتدهور في مصلحة الصين الكبرى الطامحة لكرسي الهيمنة العالمي. وبالتالي، فإن خسائر الصين في الحرب، بل خسارة إيران ذاتها تُعد -من منظور الصين- ثمنًا زهيدًا نظير طموح الهيمنة العالمية.
وجهة النظر تلك محل اعتبار وتقدير؛ لكن عند وضع الأهمية الاستراتيجية الكبرى لطريق الحرير وإيران تحديدًا ضمن إطار مشروع الهيمنة العالمية للصين، فإن هناك خسائر باهظة قد تعرقل ذلك الطموح. وهذا ما تعمل عليه واشنطن حاليًا خاصةً في ضوء الضربات العنيفة الأخيرة للبنية التحتية الحيوية للطريق في إيران.
يرتكز التصنيع الصيني المتضخم -وهو ركيزة الاقتصاد الصيني وصعودها الدولي- على الطاقة التي تحصل عليها الصين بأكثر من نصف احتياجاتها من الشرق الأوسط. ومن ثم، فإن خسارة إيران وليس أهميتها فقط عبر إسقاط النظام الحليف أو إخضاعه لتحالفات واشنطن ستكون بمثابة كارثة تضرب الاقتصاد الصيني بشكل مباشر؛ ولعل ذلك يعد أخطر ما يقلق بكين.
القضية لا تتعلق بإمدادات الطاقة فقط حيث ستستمر؛ بل تتعلق بتحكم واشنطن التام بورقة الطاقة بعد الهيمنة على نفط فنزويلا. فضلاً عن السيطرة على مضيق هرمز الذي تمر منه معظم واردات الطاقة إلى الصين. لذا ليس الأمر مجرد إضعاف للصين بل أيضًا إخضاع تام لها مما يعني تحطيم حلم الهيمنة الصينية.
فقدان إيران بشكل خاص بالنظر لأهميتها المذكورة آنفًا سيؤدي إلى تقويض حلم الهيمنة للصين بشكل كبير؛ فالمنطقة بأسرها تمثل أكثر من نصف احتياطي الطاقة العالمي ومدخل التمدد نحو أفريقيا والبحر الأحمر وجنوب آسيا وسوق هائل للمنتجات والسلاح ومجال للمناورة والضغط على جميع القوى الكبرى.
لذا تشكل الهيمنة الصينية على المنطقة عبر الطريق وعبر المرتكز الإيراني تحديدًا ما يقارب نصف مشروع الهيمنة العالمية للصين؛ أو بالأحرى لا يمكن تحقيق هيمنة عالمية دون المنطقة.
ختاماً، يعد تقويض طريق الحرير وجه استراتيجي خفي لواشنطن من حرب إيران؛ إذ إن نجاح واشنطن في إخضاع إيران ومن ثم إبعادها عن الصين بأي شكل كان سيمثل ضربة قاتلة لطريق الحرير وللهيمنة العالمية للصين خصوصًا.

