“رسميًا .. إقصاء مصر”، كان هذا هو العنوان الذي اختاره الصحفي الرياضي الإيطالي الشهير فابريزيو رومانو عند نقل النتيجة النهائية لمباراة مصر والأرجنتين، ليعبر عن استنكاره للمهزلة التحكيمية التي شهدتها المباراة، وإصرار الحكم الفرنسي على عدم خروج الأرجنتين من البطولة، وضرورة فوزها حتى لو كان ذلك بأداء تحكيمي غير نظيف. فالأهم بالنسبة للفيفا هو بقاء نجمها المدلل ميسي، كي لا تخسر مئات الملايين من الدولارات التي تأتي من تسويق المباريات، ومن حسابات الرعاة المليارديرات. ولا يهم أن يتضرر فريق مكافح استحق الفوز، وهزم بصافرات تحكيمية خانت الأمانة. فالأهم أن تعمر خزانة الفيفا وأن تزداد أرصدة رجاله الكبار بالرشاوي.
لقد قدم منتخب مصر مباراة قوية أمام دولة حققت بطولة العالم ثلاث مرات، وتفوق على نجومها العالميين. لكنه فرمل في الدقيقة 80 وهو متقدم 2 / 0 بقرارات تحكيمية منحازة، ليكتشف اللاعبون وجهازهم الفني أنهم لا يواجهون أبطال العالم فقط، بل أيضًا حكمًا بلا ضمير ومن خلفه الفيفا. وقد لاحظ ذلك أيضًا المعلق الرياضي البريطاني بيتر دروري الذي انتقد القرارات التحكيمية العكسية خلال المباراة، مشيرًا إلى أن هدف مصر أُلغي لأسباب ما تزال غامضة. وعندما سجلت الأرجنتين هدفها الحاسم، بدا أن هناك خطأً واضحًا في بداية الهجمة، لكن الحكم وتقنية الفيديو المساعد (VAR) لم يراجعا الأمر بشكل صحيح. وعندما تتكرر القرارات لصالح طرف دون الآخر وتُلغى أهداف صحيحة وتُحتسب أخرى مشكوك فيها، يبدأ الشعور بأن هناك شيئًا آخر يُحرك الأمور. هذه اللحظات تجعل المشجعين يشعرون أن النتيجة لم تعد تُحسم على أرض الملعب فقط.
هذا الظلم الذي تعرض له منتخب مصر أثار استنكارًا عالميًا واسعًا من نجوم الكرة والتحكيم والإعلام. فقد هاجم جوزيه مورينيو مدرب نادي ريال مدريد قرارات حكم المباراة قائلاً: “هذه سرقة ووصمة عار من المؤسف ما آلت إليه كرة القدم”. وأضاف: “كيف تسمحون باستمرار اللعب وتسمحون بتسجيل الهدف ثم تقررون إلغاءه؟ إذا كان هناك خطأ، أوقفوا المباراة فورًا. لا تنتظروا حتى بعد الهدف”.
وتساءل مورينيو: “لماذا لم يُراجع هدف الأرجنتين الأول بنفس القدر من الاهتمام عندما بدا قريبًا جدًا من التسلل؟ لماذا تم فحص كل حادثة تتعلق بالأرجنتين بينما لم تحظَ مصر بنفس المعاملة؟ من المفترض أن تُحقق تقنية الفيديو المساعد للحكم (VAR) العدالة لا الارتباك”.
كما نشر آلان شيرر أسطورة الكرة الإنجليزية تغريدة حول إلغاء هدف زيكو وعدم إلغاء هدف الأرجنتين الثالث كتب فيها: “إما أن تكون كلتا الحالتين مخالفة أو لا شيء منهما، لكنهم أخبرونا أنهم لن يعيدوا تقييم قرارات الحكم، عبث”.
أما توماس رونسيرو رئيس تحرير صحيفة “آس” الإسبانية فكتب عبر شبكة “X”: “لاوتارو يرتمي على الأرض فيحتسب الحكم خطأً ويمنح بطاقة للمنافس. مونديال آخر سيظل ملطخًا إلى الأبد. بلد عظيم مثل مصر لا يستحق مثل هذا الظلم. هذه ليست كرة قدم بل مجرد تجارة بلا مشاعر”.
وقال النجم البريطاني السابق جيمي كارايجر: لو كان الهدف (يقصد هدف زيكو الملغي) ضد فريق آخر لاحتسب هدفًا حتى بعد مراجعة الفار. هناك تناقضات كثيرة في هذه البطولة.
وللحق لم تكن مصر وحدها التي ظلمت؛ فقد شهد المونديال مهازل أخرى كثيرة عبر سلسلة من القرارات التي أثرت بشكل مباشر في نتائج مباريات مصيرية كان معظمها للأرجنتين طرفاً فيها. ففي مباراتها ضد منتخب كاب فيردى في دور الـ32، كان الأخير قريباً من الإطاحة بحامل اللقب إلا أن حكم المباراة احتسب أخطاء وهمية على لاعبي كاب فيردى وتغاضى عن أخطاء حقيقية ارتكبها لاعبو الأرجنتين. وفي مباراة الجزائر والأرجنتين في دور المجموعات تدخل ليونيل ميسي بقوة على رامي بن سبعيني وسط مطالبات بطرده مباشرة لكن الحكم البولندي اكتفى باحتساب مخالفة دون إشهار أي بطاقة.
كما شهدت مباراة قطر وسويسرا حالة جدل حول وجود ركلة جزاء لصالح المنتخب السويسري حيث ظهرت شكوك قوية حول وجود حالة تسلل لكن نظام التسلل شبه الآلي تعطل فجأة مما يلقي بشبهة على تقنية VAR ويثبت أن امتلاك أحدث التقنيات لا يضمن بالضرورة الوصول إلى العدالة الكاملة وأن العنصر البشري له الدور الأكبر في صناعة القرار.
شهد المونديال أيضًا حوادث عنصرية وسياسية مؤسفة بدءًا من اضطهاد منتخب إيران وإجباره على الإقامة بالمكسيك والسفر للعب مبارياته بأمريكا يوم إقامتها مما أخل بعدالة فرصه والمعاملة العنصرية غير الإنسانية التي قوبل بها منتخب السنغال بتفتيش ذاتي مهين واحتجاز مهاجم العراق ساعات طويلة للتحقيق معه قبل السماح له بدخول “جنة أمريكا” وأخيراً قيام جياني إنفانتينو رئيس الفيفا بعد مكالمة مع ترامب بإلغاء بطاقة حمراء نالها هداف أمريكا كي يتمكن من اللعب أمام بلجيكا.
هذه العوامل السلبية الكثيرة التي أحاطت بالمونديال تجعلني أطالب الدول العربية والأفريقية بالوقوف صفاً واحداً لإسقاط جياني إنفانتينو من رئاسة الفيفا وقد حدثت تجربة مشابهة عام 1998 حيث أسقط الأمير فيصل بن فهد – يرحمه الله – بدعم عربي المرشح السويدي لينارت يوهانسون بسبب استخفافه بالعرب وأنجح السويسري جوزيف بلاتر.
إن الفساد والمجاملات في عهد إنفانتينو تستوجب إقالته أو عدم السماح بالتجديد له؛ وفق ما نشره الكاتب الصحفي محمود علام الذي أكد حصول مكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI) ومدعون فيدراليون أمريكيون على مستندات ووثائق تحويلات مشبوهة تخص الاتحاد الأرجنتيني ورئيسه كلاوديو تابيا بقيمة تتجاوز 300 مليون دولار!
القصة بدأت بشهادات أدلى بها رجال أعمال بينهم رجل الأعمال الأرجنتيني جييرمو توفوني أمام محققين فيدراليين خلال جلسات استمرت لساعات وتركزت التحقيقات حول العقود التجارية الدولية للاتحاد الأرجنتيني وما إذا تم استخدام بنوك وشركات أمريكية في عمليات مخالفة للقوانين الأمريكية الخاصة بغسيل الأموال أو الاحتيال المالي.
وفق تقرير نشرته صحيفة “لا ناسيون” الأرجنتينية فإن أنشطة الاتحاد الأرجنتيني التجارية الدولية تديرها شركة TourProdEnter LLC ومقرها ولاية فلوريدا ومن خلالها مرّ ما لا يقل عن 260 مليون دولار عبر 5 بنوك أمريكية كبرى منها Citibank وBank of America وJPMorgan Chase حيث كانت الأرباح تسجل كأنها أرباح شركات استشارية بينما هي عمولات ورشاوي لمسؤولي الفيفا وشخصيات سياسية!
وأشارت الصحيفة إلى أنه تم تحويل 57 مليون دولار من إجمالي هذه الأموال لشركات وهمية ومستفيدين مسجلين بأسماء أشخاص غلابة يعتمدون على المساعدات الاجتماعية في الأرجنتين!
إن رحيل إنفانتينو بات فرض عين لعودة كرة القدم الجميلة النظيفة.

