لم تكن أحداث الثلاثين من يونيو حركة وليدة اللحظة، بل كانت نتيجة حتمية لسلسلة من الخطايا التي ارتكبتها الإخوان على مدار عام كامل من الحكم، ولم تتوقف أزمة الجماعة عند حدود الفشل الإداري، بل كشف عام التنظيم في الحكم عن خلل خطير في العقل الإخواني الذي تعامل مع الدولة المصرية بوصفها غنيمة مؤجلة، ومع مؤسساتها وقواها المدنية باعتبارهم خصومًا يجب عزلهم؛ مما فجر غضب شعبي عارم، بعدما استشعرت الكتلة الحرجة من المواطنين وجود مخطط حقيقي يستهدف اختطاف هوية الدولة وتحويلها إلى ذراع إخواني.

ما قبل 30 يونيو، أزمات الإخوان في حكم مصر 

تشير البيانات والوقائع في الفترة من يونيو 2012 وحتى يونيو 2013 إلى أن الخطئية الإخوانية الأولى تمثلت في تراجع الجماعة عن مبدأ المشاركة لا المغالبة، وهو الشعار التكتيكي الذي رفعه التنظيم لطمأنة القوى الوطنية إبان الفترة الانتقالية، لكن بمجرد اقتناص السلطة، اندفعت الجماعة نحو ممارسة إقصاء ممنهج، تجسد في خطة أخونة مفاصل الدولة، حيث جرى تعيين كوادر تنظيمية في مناصب المحافظين، والوزارات الخدمية، والمؤسسات الثقافية، والشركات الحكومية بناءً على معيار الولاء والثقة التنظيمية بدلًا من الكفاءة، مما أصاب الجهاز الإداري للدولة بحالة من الصدمة وبدأ يشعر بخطر وجودي من الإخوان وأنصارهم. 

وجاء الإعلان الدستوري الصادر في نوفمبر 2012 ليقطع شعرة معاوية بين الجماعة والمجتمع المصري؛ حيث منحت قيادة الجماعة لرئيسها محمد مرسي صلاحيات مطلقة تحصن قراراته من الرقابة القضائية، وهي الخطوة التي وصفتها دراسة صادرة عن مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية بأنها أجهضت مفهوم التوافق الوطني وأسست لدكتاتورية بعباءة قانونية. 

ولم يكتف الإخوان بهذا التحول التشريعي العنيف. سريعا حاولوا «سلق» دستور 2012 بواسطة أغلبية إخوانية وسلفية، مما نقل المواجهة مباشرة من أروقة السياسة إلى الشارع، وأعطى الضوء الأخضر لتشكيل حركات شعبية مثل حركة تمرد، التي التقطت نبض الغضب المجتمعي وحولته إلى توقيعات ملايين المواطنين الرافضين لبقاء التنظيم في سدة الحكم.

أسباب عناد الإخوان في التعامل مع أزمات المجتمع المصري 

حسب خبراء، حالة العناد السياسي التي ظهرت عليها الجماعة، تدعمها أدبيات التنظيم التأسيسية التي تشكل عقيدتهم الحركية؛ ففي كتاب رسائل حسن البنا، وتحديدًا في رسالة المؤتمر الخامس، يقرر المؤسس بوضوح أن الجماعة ستستخدم القوة عندما لا يجدي غيرها، وأنها لن تنحني أمام النظم التي لا تؤمن بفكرتها. 

هذا الإرث الصدامي ظهر جليًا في الكلمات الرسمية لقيادات الجماعة قبل الثورة بأيام؛ حيث خرج القيادي الإخواني محمد البلتاجي من فوق منصة رابعة العدوية ليعلن صراحة أن العنف والإرهاب الذي يحدث في سيناء سيتوقف في الثواني التي يتراجع فيها الجيش عن قراراته، وهي العبارة التي وثقت تحول الخطاب الإخواني من العمل السياسي المدني إلى التهديد المباشر بالعنف واستخدام الملفات الأمنية كأوراق ضغط ومساومة ضد الدولة ومؤسساتها.

إرث الإخوان في حكم مصر 

 تزامنت هذه الخطايا السياسية مع انهيار كامل في الخدمات الميدانية والمعيشية؛ إذ رصدت التقارير الاقتصادية لـ 2013 دخول البلاد في أزمات حادة تمثلت في انقطاع الكهرباء والمياه لساعات طويلة، وظهور طوابير الوقود الممتدة لمسافات شاسعة، وهو ما جعل المواطن البسيط يشعر بأن الجماعة تعيش في وادٍ تنظيمي معزول لا يملك حلولًا حقيقية على الأرض. 

ووفقا لخبراء، أخطأ الإخوان في قراءة صمت المؤسسات الوطنية وتماسك الدولة، وتناست القيادة القطبية المسيطرة على مكتب الإرشاد أن الشرعية ترتبط بالقدرة على حماية الأوطان وتوفير الاستقرار، لذلك كتبت الجماعة شهادة وفاتها السياسية بيديها، عبر تفجير غريزة الدفاع الذاتي لدى الشعب المصري بكافة أطيافه، الذي رفض إدارة الدولة الوطنية بمنطق العشيرة والتنظيم الدولي.