لست من معجبي الدكتور كمال الجنزوري، رئيس وزراء مصر الأسبق في عهد الرئيس الراحل حسني مبارك، ولا من خصومه. لكن عندما يدلي بشهادته للإعلامية منى الشاذلي حول أحد أخطر القرارات الاقتصادية التي مرت بها مصر، فإن شهادته تستحق التأمل. فهو لم يكن مجرد مراقب خارجي، بل كان أحد صناع القرار، وأحد أقوى رؤساء وزراء مصر قبل وبعد يناير.

يرى الدكتور كمال الجنزوري -وأنا أوافقه الرأي تمامًا بناءً على ما نشهده اليوم- أن خفض قيمة العملة يُعتبر من أسوأ القرارات الاقتصادية، إذ يمتد أثره إلى أسعار جميع السلع والخدمات، مما يؤدي إلى تراجع القوة الشرائية للمواطن لسنوات.

الأهم من ذلك أنه قدم مبررًا اقتصاديًا لا يزال محل نقاش حتى الآن، حيث أكد أن خفض الجنيه لا يؤدي تلقائيًا إلى زيادة الصادرات. فالصادرات المصرية تفتقر إلى المرونة الكافية للاستفادة من انخفاض سعر العملة، وقد أثبتت التجربة ذلك سابقًا.

لم يكن هذا مجرد رأي نظري بل موقف عملي أيضًا. فقد روى الجنزوري أنه أثناء التفاوض مع صندوق النقد الدولي اشترط عدم خفض قيمة الجنيه أو رفع أسعار المنتجات البترولية. وبعد موافقة الصندوق، عاد وفد يضم أحد عشر عضوًا مطالبًا بخفض العملة بنسبة 5%، فرفض الجنزوري الطلب بشكل قاطع، معبرًا بعبارته الشهيرة: “الناس دي لا تدخل مبنى حكومي”، مؤكدًا أن مصلحة الاقتصاد المصري تعلو على أي شروط خارجية.

قد يرى بعض الاقتصاديين أن التعويم قد يكون ضروريًا أحيانًا لمعالجة اختلالات السوق. لكن شهادة الجنزوري تطرح سؤالًا مشروعًا: إذا كان خفض العملة علاجًا، فلماذا لا تتحقق آثاره الإيجابية إلا في اقتصادات تمتلك قاعدة إنتاجية وصادرات قوية؟

واليوم، وبعد سنوات من التعويم والاقتراض، تفرض الأسئلة نفسها: هل زادت الصادرات بالقدر الذي يبرر كلفة انخفاض الجنيه؟ وهل أصبح الاقتراض وسيلة لبناء اقتصاد منتج أم عبئًا تتزايد معه خدمة الدين عامًا بعد عام؟

إن الخروج من الأزمة لا يكون برفض التعاون مع صندوق النقد الدولي ولا بقبول كل وصفاته. بل يجب بناء اقتصاد يقوده الإنتاج لا الاستدانة، والتصنيع لا الاستيراد، والتصدير لا الاستهلاك. فالدول كما الأفراد لا تحيا بما تقترض بل بما تنتج.
لقد ترك الجنزوري شهادة للتاريخ ويبقى السؤال للمستقبل: هل نملك شجاعة مراجعة السياسات قبل أن تفرض علينا الأزمات مراجعتها؟