اسم الله الودود، العلم بالله هو أجل العلوم وأعلاها، وأنفعها عند الله وأسماها. كيف لا يكون كذلك، وهو يعرّف العباد بأعظم من عُرف، ويقربهم إلى أسمى من عُبد؟ فهو يجلي للعبد حقيقة ربه، ويعرف صفاته وأسماءه، حتى يعبده على بصيرة، ويحبه على علم.
وقد حثَّ النبي – صلى الله عليه وسلم – أمته على تتبع أسمائه – سبحانه – ومعرفتها وحفظها، ووعدهم جزاء ذلك الجنة، فقال – عليه الصلاة والسلام -: (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة إلا واحدًا من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه. ولا يعني الحديث حصر أسماء الله في تسعة وتسعين اسمًا، وإنما المراد أن الجزاء مرتب ومعلق على إحصاء هذا العدد. وفي السطور التالية سوف نتناول شرح اسم الله الودود وما ورد فيه من القرآن الكريم والسنة النبوية.
ما معنى اسم الله الودود؟
الودود هو المتودد إلى أوليائه وأهل طاعته بالمحبة والمغفرة. هو المحب لأوليائه وعباده الصالحين فيرضى عنهم ويتقبل أعمالهم. وهو المحبوب في قلوب المؤمنين، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾. يُظهر الودود كثرة إحسانه إلى عبيده برعايتهم وإيصال الخيرات إليهم، كما جاء في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الْغَفُورُ الْوَدُودُ﴾.
ويقول الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر: إن أسماء الله تعالى الحسنى كلها تدور بين الجمال الذي يبث الأمل ومحبة الخالق والرغبة فيما عنده سبحانه وتعالى، كالأسماء اللطيف والودود والرؤوف الرحيم، وصفات الجلال التي تبعث في القلب مخافة الله جل وعلا وتعظيمه مثل القوة والقدرة والقهر كالقهار.
وبيَّن شيخ الأزهر أن اسم الله تعالى «الودود» وَرَدَ بمشتقاته في القرآن الكريم في أكثر من ثلاثين موضعًا؛ حيث جاء بالأصل في موضعين، أحدهما في سورة هود حيث قال تعالى: {واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود} والآخر في سورة البروج حيث قال تعالى: {إنه يبدئ ويعيد وهو الغفور الودود}. كما جاء مشتقًّا في مواضع عدة مثل قوله تعالى: {ودت طائفة من أهل الكتاب} وقوله تعالى: {وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم} وقوله: {يوادون من حاد الله ورسوله}.
وقال ابن العربي: “اتفق أهل اللغة على أن المودة هي المحبة”. بينما قال ابن سِيدَه في “المخصص”: “الوَدود هو المحب الشديد المحبة”. فالله عزَّ وجلَّ ودودٌ لأوليائه والصالحين من عباده وهو محب لهم.
وقال ابن القيم في “التبيان في أقسام القرآن”: “الوَدُّد هو المتودد إلى عبادِه بنعمِه الذي يَوَدُّ مَن تاب إليه وأقبل عليه. وهو الوَدُّد أيضًا بمعنى المحبوب”. وقد ذكر البخاري في صحيحه أن الوَدُّد يعني الحبيب. والتحقيق أن اللفظ يدل على الأمرين؛ كونه وادًّا لأوليائه ومَوْدُودًا لهم.. فهو الحبيب المحب لأوليائه يُحبهم ويحبونه.
وقال السعدي في “الحق الواضح المبين”: “(الواد) هو المحب المحبوب بمعنى واد ومودود”. وأضاف أن (الواد) يحب أنبياءه ورسله وأتباعهم ويحبونه؛ فهو أحب إليهم من كل شيء وقد امتلأت قلوبهم من محبته ولهجت ألسنتهم بالثناء عليه وانجذبت أفئدتهم إليه ودًا وإخلاصًا وإنابةً من جميع الوجوه.
وأكد ابن القيم أيضًا أنه ذكر سبحانه جزاء أوليائه المؤمنين ثم ذكر شدة بطشه وأنه لا يعجزه شيء؛ لأنه هو المبدئ المعيد ومن كان كذلك فلا أشد من بطشه. ومع ذلك فهو الغفور الودود الذي يغفر لمن تاب إليه ويوده ويحبه؛ فهو سبحانه الموصوف بشدة البطش ومع ذلك هو الغفور الودود المتودد إلى عباده بنعمه الذي يودي من تاب إليه وأقبل عليه.
الواد في السنة
ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال – تزوجوا الودودة الولودة (رواه أبو داو ود والنسائي وصححه الألباني). والوادودة هي التي تتصف بكثرة التواد لزوجها بالأقوال والأفعال التي يحبها إظهارًا لمحبته؛ فكيف بالواد الذي خلق المودة في قلوب المتوادين إذا تواصل معهم بحب؟

