ذكرت دار الإفتاء المصرية أن سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه كان أول من آمن بالرسالة المحمدية من الرجال وأول الخلفاء الراشدين، وقد أنزل الله سبحانه وتعالى فيه آية تعكس مكانته السامية وتكريمه بموقفه الخالد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أثناء رحلة الهجرة من مكة إلى المدينة.

سيدنا أبو بكر الصديق رضي الله عنه

قال الله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: 40].

وروى ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لأبي بكر: «أنت صاحبي على الحوض، وصاحبي في الغار» رواه الترمذي.

وأوضحت دار الإفتاء أن الأوضاع في مكة كانت غير ملائمة لبقاء المسلمين، وقد هاجر بعضهم إلى الحبشة، حتى قرر أبو بكر الهجرة إليها أيضًا، كما يروي الإمام البخاري في صحيحه.

وأثناء رحلته إلى الحبشة التقى برجل يُدعى ابن الدغينة، فسأله: “أين تريد يا أبا بكر؟”، فأجاب أبو بكر: “أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي”. فقال ابن الدغينة: “إن مثلك يا أبا بكر لا يُخرج ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم وتصل الرحم وتحمل الكل وتقري الضيف وتعين على نوائب الحق”. ورحل معه إلى مكة بعد أن كان قد اقترب من اليمن، وطاف في أشراف قريش وقال لهم: “إن أبا بكر لا يُخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم ويصل الرحم ويحمل الكل ويقري الضيف ويعين على نوائب الحق”. فقررت قريش منح ابن الدغينة جوار أبي بكر.

قالوا له: “مر أبا بكر فليعبد ربه في داره ولصلِّ فيها ولْيقرأ ما شاء ولا يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإننا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا”.

وبذلك أصبح أبو بكر يعبد ربه في داره دون أن يؤدي صلاته علانية أو يقرأ القرآن خارجها. وبعد فترة قرر تخصيص مسجد بفناء داره للصلاة وقراءة القرآن، مما جذب انتباه نساء المشركين وأبنائهم الذين كانوا يتدافعون لرؤيته وسماعه.

وأشارت دار الإفتاء إلى أن أبو بكر كان بكاءً لا يستطيع السيطرة على دموعه عند قراءة القرآن، مما أثار خوف أشراف قريش الذين أرسلوا إلى ابن الدغينة ليخبره بأنهم خشوا الفتنة بسبب إعلان أبي بكر بالصلاة والقراءة. فقال لهم ابن الدغينة: “إذا أحب أن يقتصر على عبادة ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك”. فأخبر أبو بكر بما حدث وعبر عن استعداده للرد على جوار ابن الدغينة ورضاه بجوار الله عز وجل.

بعد ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين: «قد أريت دار هجرتكم رأيت سبخة ذات نخل بين لابتين»، وهما الحرتان (الأرض السوداء). فتجهز المهاجرون نحو المدينة بينما قال أبو بكر للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل ترجو ذلك بأبي أنت؟» فقال النبي: «نعم»، فتوجه أبو بكر ليكون مرافقًا له في الهجرة. وعندما جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيت أبي بكر استأذن للدخول وسمح له بالدخول. حيث أخبرهم بأنه قد أذن له بالخروج وعبّر أبو بكر عن رغبته بالمشاركة في الرحلة.

ثم اتفقا على شراء راحلتين وبدأت التحضيرات للهجرة. وفي أحد الأيام بينما كانوا جالسين في بيت أبي بكر جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم متقنعًا وقال لأبي بكر أنه قد أذن له بالخروج.

وتحدثت الإفتاء عن الحزن الذي أصاب أبا بكر المذكور في الآية موضحة أنه لم يكن جبنًا بل كان إشفاقًا على رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: “إن قتلت أنا رجل واحد وإن قُتِلْت أنت هلكت الأمة”.

وأكدت بأن معية الله تعالى كانت هي الحافظة لرسول الله وأبو بكر، فعن أنس بن مالك حدثهم أبو بكر قائلًا: “نظرت إلى أقدام المشركين فوق رؤوسنا ونحن في الغار فقلت: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى قدميه لأبصرنا تحت قدميه”. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا بكر ما ظنك بثنين والله ثالثهما» رواه مسلم.