مع التوسع المتسارع في استخدام التكنولوجيا الرقمية، أصبحت الهواتف الذكية والألعاب الإلكترونية جزءًا لا يتجزأ من حياة الأطفال والمراهقين، حيث تحولت من مجرد وسائل للترفيه إلى عنصر أساسي في حياتهم اليومية.

ورغم ما توفره هذه الوسائل من فرص لتنمية بعض المهارات الذهنية وتعزيز التفاعل مع العالم الرقمي، إلا أن الإفراط في استخدامها ألقي بظلاله على الصحة النفسية والسلوكية للأطفال، في ظل تزايد معدلات الإدمان الإلكتروني وما يصاحبه من تداعيات اجتماعية وتعليمية وصحية.

ومع تصاعد التحذيرات من مخاطر الاستخدام المفرط للألعاب الإلكترونية، يؤكد المتخصصون أن التصدي لهذه الظاهرة لم يعد مسؤولية الأسرة وحدها، بل يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والصحية والإعلامية، إلى جانب نشر الوعي بأهمية الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، ووضع ضوابط واضحة لتنظيم الوقت الذي يقضيه الأطفال أمام الشاشات، وتشجيعهم على ممارسة الأنشطة الرياضية والثقافية والاجتماعية بما يحقق التوازن بين العالمين الواقعي والرقمي.

المخاطر المتفاقمة لإدمان الألعاب الإلكترونية

وفي هذا السياق، حذرت الدكتورة داليا عصفور، أستاذ الطب النفسي بجامعة المنصورة، من تصاعد معدلات إدمان الأطفال والمراهقين للألعاب الإلكترونية، مؤكدة أن هذه الظاهرة تجاوزت كونها مجرد عادة أو سلوك ترفيهي لتصبح اضطرابًا نفسيًا معترفًا به عالميًا يستلزم التدخل العلاجي في مراحله المبكرة للحد من آثاره.

اضطراب نفسي معترف به

وأوضحت عصفور أن المراجع والهيئات الطبية الدولية أدرجت الإدمان الإلكتروني ضمن الاضطرابات النفسية المعترف بها، مشيرة إلى أن المشكلة لا تكمن فقط في عدد الساعات التي يقضيها الطفل أمام الشاشات وإنما في تحوله إلى نمط سلوكي قهري يؤثر في حياته اليومية ويضعف قدرته على الدراسة والتفاعل الاجتماعي وممارسة الأنشطة الطبيعية.

وأكدت أن التدخل المبكر يمثل العامل الأكثر أهمية في الحد من تطور الإدمان وتقليل انعكاساته النفسية والسلوكية والاجتماعية.

لماذا يدمن الأطفال الألعاب الإلكترونية؟

وكشفت أستاذ الطب النفسي عن الآليات النفسية والبيولوجية التي تجعل الألعاب الإلكترونية شديدة الجاذبية للأطفال والمراهقين، موضحة أن تصميم معظم الألعاب يعتمد على الإثارة المستمرة والتحديات المتصاعدة والمكافآت الفورية، وهو ما يحفز المخ على إفراز كميات كبيرة من هرمون “الدوبامين” المسؤول عن الإحساس بالمتعة والمكافأة.

وأضافت أن استمرار هذا التحفيز يدفع الطفل إلى البحث المتواصل عن مستويات أعلى من الإثارة بما قد يؤدي إلى ضعف القدرة على التحكم في الانفعالات وزيادة الاندفاع واتخاذ قرارات غير محسوبة.

وأشارت إلى أن الأطفال أكثر عرضة لهذه التأثيرات لأن أدمغتهم لا تزال في طور النمو كما أن مراكز ضبط السلوك واتخاذ القرار لم تكتمل بعد مما يجعلهم أكثر تأثرًا بالمحفزات الرقمية مقارنة بالبالغين.

ساعات استخدام مفرطة

وانتقدت الدكتورة داليا عصفور ضعف الرقابة الأسرية على استخدام الأبناء للأجهزة الإلكترونية موضحة أن بعض المراهقين يقضون ما بين ست ساعات و12 ساعة يوميًا في ممارسة الألعاب الإلكترونية بينما تصل مدة الاستخدام في بعض الحالات إلى يوم كامل دون انقطاع.

وأكدت أن هذه المعدلات المرتفعة تنعكس سلبًا على القدرات الذهنية والإدراكية للأطفال وتؤثر في التركيز والانتباه والتفكير المنطقي فضلًا عن تأثيراتها السلبية على الصحة النفسية والجسدية.

ودعت أستاذ الطب النفسي أولياء الأمور إلى الانتباه لعدد من المؤشرات التي قد تدل على إصابة الطفل أو المراهق بالإدمان الإلكتروني مشيرة إلى أن أولها العزلة والانغلاق داخل الغرفة والابتعاد عن الأسرة والأنشطة الاجتماعية.

وأضافت أن العلامة الثانية تتمثل في تراجع المستوى الدراسي بصورة ملحوظة فيما تتمثل الثالثة في ظهور تغيرات مفاجئة في السلوك مثل العصبية أو العدوانية أما العلامة الرابعة فتتمثل في الانشغال المستمر بالمحتوى العنيف عبر مواقع التواصل الاجتماعي والانجذاب إلى السلوكيات العدوانية أو تقليدها.

عيادات متخصصة للعلاج

وفي إطار جهود مواجهة الظاهرة كشفت الدكتورة داليا عصفور عن تخصيص أمانة الصحة النفسية وعلاج الإدمان في مصر عيادات متخصصة لعلاج الإدمان الإلكتروني داخل المستشفيات التابعة لها بمختلف المحافظات.

وأوضحت أن هذه العيادات تقدم برامج علاجية متكاملة تعتمد على العلاج السلوكي والنفسي وتركز على تعديل أنماط الاستخدام المفرط للتكنولوجيا إلى جانب تقديم الإرشاد والدعم للأسرة بما يساعد الأطفال والمراهقين على استعادة توازنهم النفسي والاجتماعي والعودة إلى ممارسة حياتهم بصورة طبيعية.