تتحول السلع القديمة لدى أصحابها إلى أصول قابلة لإعادة البيع، لتجد طريقها إلى أسر وأفراد يبحثون عن احتياجاتهم بتكلفة أقل.

تعتبر أسواق المستعمل، وبمقدمتها سوق الجمعة بالإمام الشافعي والسيدة عائشة جنوب القاهرة، واحدة من أبرز هذه الأسواق، بجانب أسواق أسبوعية وشعبية أخرى.

يبقى السعر عاملاً رئيسيًا في جذب المشترين إلى أسواق المستعمل، حيث يكشف رصد أجراه “مصراوي” مع عدد من تجار السوق عن فروق كبيرة بين أسعار بعض السلع الجديدة ونظيرتها المستعملة.

تتراوح مستويات الوفر بين نحو 60% و85%، حسب نوع السلعة وحالتها وعمرها ومدى حاجتها إلى الصيانة.

قال أبو الخير عبد المجيد، أحد تجار السلع المستعملة في سوق الجمعة، إن فارق الأسعار بين المنتجات الجديدة والمستعملة أصبح عامل جذب رئيسيًا للمواطنين، موضحًا أن بعض السلع يمكن أن تباع بأقل من نصف سعرها الجديد، مع اختلاف السعر النهائي وفقًا للحالة والماركة والعمر.

وأضاف التاجر لـ”مصراوي” أن سعر الثلاجة المنزلية سعة 14 قدمًا يتراوح في حالتها الجديدة بين 22 و32 ألف جنيه، بينما تتراوح أسعار مثيلاتها المستعملة في السوق بين 7.5 و12 ألف جنيه.

وأشار إلى أن غرفة النوم الكاملة التي يصل سعرها الجديد إلى 50 ألف جنيه يمكن الحصول على مثيلاتها المستعملة مقابل 12 إلى 15 ألف جنيه.

أما المعلمة عسلية، وهي صاحبة تجارة واسعة بسوق الجمعة، فتقول لـ”مصراوي” إن الهواتف الذكية تتراوح أسعارها مستعملة بين 1.5 و3.5 ألف جنيه حسب حالة الجهاز ومواصفاته. كما تشير إلى أن الدراجة الهوائية قد تتراوح أسعارها مستعملة بنحو 1800 جنيه.

بينما يقول سامح عرابي، تاجر مستعمل بالسوق، إن الفارق يصبح أكبر في بعض مستلزمات التشطيب. موضحًا أن طقم الأدوات الصحية الكامل الذي يتراوح سعره جديدًا بين 3.5 و6 آلاف جنيه قد يتوافر مستعملًا بنحو 500 إلى 1200 جنيه.

كما يضيف لـ”مصراوي” أن سعر الأنتريه أو الركنة الجديدة الذي يتراوح بين 18 و25 ألف جنيه يمكن الحصول على مثيلاتها المستعملة بنحو 4.5 إلى 7.5 ألف جنيه.

ولكنه يشير إلى أن كل سلعة مستعملة لا تحقق المستوى نفسه من الوفر إذ تتأثر الأسعار بالحالة الفنية والعمر والماركة ومدى الحاجة إلى إصلاحات بالإضافة إلى قدرة البائع والمشتري على التفاوض.

تقول “عسلية” إن خفض تكلفة شراء جهاز أو قطعة أثاث عدة جنيهات يعني لأسرة محدودة الدخل توجيه الجزء المتبقي من الدخل إلى احتياجات أخرى مثل الغذاء أو التعليم أو العلاج.

السلعة الواحدة.. أكثر من حياة اقتصادية

ترى “عسلية” أن القيمة الأهم في سوق الجمعة ليست في سعر إعادة البيع وإنما في عدد المرات التي تستطيع فيها السلعة الاستمرار في أداء وظيفة اقتصادية.

وتضرب “عسلية” مثالًا: خذ الغسالة مثلًا.. جديدة بـ25 ألف جنيه ولكن بعد استخدامها لخمس سنوات قبل تعرضها لعطل تنتقل إلى تاجر مستعمل أعاد تأهيلها وبيعها لأسرة أخرى مقابل 9 آلاف جنيه قبل أن تصل لاحقًا إلى سوق الجمعة وتباع بنحو 4500 جنيه لاستخدامها في سكن عمال مغتربين.

وتضيف: خلال هذه الرحلة احتاجت الغسالة إلى إصلاحات شملت تغيير رمان البلي والسير بجانب أعمال أخرى بإجمالي بلغ نحو 1200 جنيه. فالنتيجة أن السلعة نفسها لم تخدم مالكًا واحدًا فقط وإنما استمرت في أداء وظيفتها عبر ثلاث أسر وعلى مدى سنوات أطول من دورة استخدامها الأولى.

وتتابع “عسلية”: المكتب الخشبي الذي اشترته شركة بنحو 18 ألف جنيه ثم انتقل إلى تاجر مستعمل وأعيد تأهيله وصل في مرحلة لاحقة إلى أسرة مقابل 6500 جنيه قبل أن يباع في سوق الجمعة بنحو 2500 جنيه ليُستخدم مكتبًا للمذاكرة لتظهر وظيفة اقتصاد المستعمل وهي استخدام السلعة بدلًا من إنهاء حياتها الاقتصادية.

وراء البائع والمشتري.. سلسلة من الأنشطة

يقول “أبو الخير” إن السلعة التي تصل إلى سوق الجمعة لا تتحرك مباشرة من منزل مالكها إلى يد المشتري بل تمر عبر شبكة من المتعاملين تشمل جامعي المستعمل أو الروبابيكيا ثم التجار والوسطاء والمخازن وصولاً للنقل والصيانة والبائع النهائي.

ويضرب مثلًا: الجهاز قد يكون أرخص من الجديد لكنه يحتاج تغيير قطعة غيار أو إصلاح عطل بينما يحتاج الأثاث دهانًا أو تنجيدًا وقد تحتاج الدراجة إصلاحات.
بينما تشير “عسلية” إلى أنه مقابل كل 100 جنيه ينفقها الزبون على شراء سلعة مستعملة معمرة يمكن إضافة نحو 35 إلى 45 جنيهاً للصيانة والخدمات المكملة.

وفي سوق المستعمل يمكن لمبلغ 1000 جنيه وفق “عسلية” أن يوزع على أكثر من احتياج مثل طاولة خشبية مستعملة ومروحة وبعض الأدوات المنزلية أو المفروشات وقطع ملابس مستعملة.

هل السوق للفقراء ولترشيد الإنفاق فقط؟

قد يقصد المشتري السوق لتوفير المال حسب “عسلية” لكنه قد يقصد أيضًا بحثًا عن قطعة أثاث قديمة أو علامة تجارية معينة أو منتج متين أو سلعة يصعب العثور عليها في منافذ البيع.

وتضرب مثالًا: يمارس سوق المستعمل “إعادة التدوير” بصورة تلقائية إذ يريد البائع الحصول على قيمة من سلعة لا يحتاجها بينما يسعى المشتري للحصول على منفعة بسعر أقل.
بين لحظة خروج السلعة من منزلها الأول ولحظة خروجها النهائي من السوق التي قد تعود إليها مرة أخرى يمكن أن تعيش أكثر من حياة اقتصادية بينما قد تكون “سوق الجمعة” إحدى المحطات التي تمنح هذه الحياة الجديدة.