بعد إعلان إثيوبيا عن خططها لإقامة ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، أصبح السؤال الأكثر إلحاحًا هو: كيف ستتعامل مصر هذه المرة؟ هل ستبدأ من حيث انتهت تجربة سد النهضة، أم ستعيد الكرة من جديد؟
التوجه الإثيوبي نحو بناء المزيد من السدود على النيل الأزرق أصبح واضحًا، سواء من خلال الخطط المتداولة للمشروعات الثلاثة أو في الخطاب الإثيوبي الذي يدعو إلى مواصلة إقامة سدود كبرى على النهر. لقد عانت مصر سنوات طويلة من المفاوضات والوساطات والتحركات الإقليمية والدولية، بينما كان البناء يتقدم، حتى جاء الملء والتشغيل، ليصبح سد النهضة واقعًا دون التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم عملية ملئه وتشغيله.
اللافت أن لغة الحسم المصرية ليست جديدة. ففي مارس 2021، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي أن مياه مصر خط أحمر، وأن المساس بها قد يؤثر على استقرار المنطقة. ورغم سعي مصر لحل تفاوضي واتفاق قانوني ملزم، تعود اليوم لغة الحسم مع تأكيدها أنها “لن تسمح” بالإضرار بحقوقها المائية أو فرض سيطرة منفردة على تدفقات النيل.
السؤال هنا ليس عن قوة العبارة، بل عن ما سيأتي بعدها. فقد وصل ملف سد النهضة بالفعل إلى مجلس الأمن، وانتهى المجلس في سبتمبر 2021 إلى بيان رئاسي دعا مصر وإثيوبيا والسودان لاستئناف المفاوضات وصولًا إلى اتفاق مقبول وملزم بشأن ملء وتشغيل السد. ومع ذلك، لم يكن ذلك قرارًا ملزمًا ولم ينشئ آلية تضمن الوصول إلى ذلك الاتفاق أو تنفيذه، مما سمح لسد النهضة بالاستمرار في طريقه حتى اكتمل دون الاتفاق الذي طالبت به مصر.
لذا فإن مصر لا تبدأ اليوم من الصفر؛ أمامها تجربة كاملة يجب أن تشكل نقطة البداية في التعامل مع الخطر الجديد. ومن الضروري البدء الآن في بناء موقف قانوني وسياسي ودبلوماسي متكامل يستند إلى ما انتهى إليه مجلس الأمن، ويعمل منذ البداية على حشد التأييد الدولي للوصول إلى إطار أكثر فاعلية وإلزامًا يحكم أي إجراءات جديدة يمكن أن تؤثر في تدفقات النيل إلى دول المصب.
المطلوب ليس حرمان إثيوبيا من حقها في التنمية أو توليد الكهرباء، بل ضمان عدم تحول المشروعات المقامة على نهر دولي إلى قدرة منفردة لدولة واحدة للتحكم في مورد حيوي يتوقف عليه حياة وأمن دول أخرى.
هذه المرة يجب أن يسبق القانون والدبلوماسية الخرسانة. إذا كانت تجربة سد النهضة قد علمتنا شيئًا، فهو أن التحرك بعد تقدم البناء يختلف كثيرًا عن التحرك قبله. إعلان إثيوبيا نيتها إقامة سدود جديدة يجب أن يكون كافيًا لبدء التحرك الفوري دون انتظار وضع حجر أساس أو وصول معدات.
ولا ينبغي أن يظل هذا الملف محصورًا داخل الدوائر الحكومية؛ فوضوح المطلب المصري أمام الداخل والخارج جزء من قوة الموقف، خاصة وأن الأمر يتعلق بأحد أخطر ملفات الأمن القومي المصري.
لذا أدعو الأحزاب السياسية وهيئاتها البرلمانية لاستخدام أدواتها الرقابية والدستورية لاستدعاء السيد رئيس مجلس الوزراء إلى البرلمان لمطالبة الحكومة بعرض موقفها وخطة تحركها منذ الإعلان الإثيوبي عن السدود الجديدة. يجب التأكد مما إذا كانت مصر قد بدأت بالفعل في بناء موقفها القانوني والدولي تمهيدًا للتحرك المبكر نحو إطار دولي ملزم يحمي حقوقها المائية ويضع آليات واضحة لضمان الالتزام بها قبل بدء أعمال التنفيذ.
إثيوبيا أعلنت نيتها ومصر قالت إنها لن تسمح؛ وبين الإعلانين لا ينبغي ترك الفرصة للوقت لصنع واقع جديد. لقد تعلمنا من تجربة سد النهضة أن التحرك بعد تقدم البناء لا يشبه التحرك قبله. هذه المرة … لا يجوز أن نبدأ من الصفر ولا أن نتأخر.

