أكدت دار الإفتاء المصرية، برئاسة فضيلة الدكتور نظير محمد عياد، مفتي الجمهورية، أن زواج الأرملة بعد انتهاء العدة جائز شرعًا ولا يتعارض مع القيم الإسلامية أو الأخلاقية. وشددت على أن المرأة تصبح حرة في إبرام عقد زواج جديد بمجرد انتهاء عدتها الشرعية، متى توافرت أركان الزواج وشروطه وانتفت موانعه. كما اعتبرت أن منعها من ذلك أو ممارسة ضغوط نفسية عليها بدعوى الوفاء لزوجها المتوفى يعد من صور العضل المنهي عنه شرعًا.

جاء ذلك ردًا على سؤال سيدة توفي زوجها منذ ستة أشهر وانتهت عدتها، ثم تقدم إليها رجل مناسب للزواج، لكنها تخشى من نظرة المجتمع وكلام الناس إذا وافقت على الزواج بعد فترة قصيرة من وفاة زوجها.

العدة آخر حقوق الزواج السابق

وأوضحت دار الإفتاء أن العدة تمثل آخر حق من حقوق عقد الزواج السابق، فهي أثر يبقى بعد انتهاء العلاقة الزوجية بوفاة الزوج. وبعد انقضائها تعود المرأة إلى أصل الإباحة، ويصبح لها كامل الحق في الزواج مرة أخرى.

واستشهدت الدار بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: 234]، مؤكدة أن نفي الجناح في الآية دليل واضح على رفع الحرج عن المرأة في الزواج بعد انتهاء عدتها.

الزواج بعد العدة من المعروف الذي استحسنه الشرع

وأشارت الفتوى إلى أن علماء التفسير والفقه أجمعوا على أن المقصود بقوله تعالى: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾ هو كل ما أباحه الشرع واستحسنه، ومن ذلك زواج الأرملة بعقد صحيح بعد انتهاء عدتها.

وأضافت أن الإسلام لم يعتبر زواج الأرملة بعد انتهاء العدة خروجًا على الوفاء لزوجها المتوفى، بل جعله أمرًا مشروعًا ويدخل في عموم قول الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ [النور: 32]، والتي تشمل كل رجل أو امرأة لا زوج لهما، سواء سبق لهما الزواج أم لا.

السنة النبوية تؤكد مشروعية زواج الأرملة

وأكدت دار الإفتاء أن السنة النبوية جاءت مؤيدة لهذا الحكم، مستشهدة بزواج النبي ﷺ من السيدة سودة بنت زمعة رضي الله عنها بعد وفاة زوجها. كما استشهدت بحديث سبيعة الأسلمية رضي الله عنها التي وضعت حملها بعد وفاة زوجها بليالٍ واستأذنت النبي ﷺ في الزواج فأذن لها فتزوجت، وهو ما رواه البخاري.

وأوضحت أن هذا الحديث يعد دليلًا صريحًا على أن تعجيل زواج الأرملة بعد انتهاء العدة لا يخالف الشرع وإلا لما أذن به النبي ﷺ في عصر النبوة.

الضغط على الأرملة لمنعها من الزواج

وشددت دار الإفتاء على أن تقييد حق المرأة في الزواج بعد انتهاء عدتها أو إخضاعها لضغوط نفسية بسبب العادات الاجتماعية يدخل في باب “العضل” الذي نهى الله عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [النساء: 19].

وأوضحت أن العضل لا يقتصر على رفض الولي تزويج المرأة بل يشمل كل وسيلة تضييق أو ضغط يمنعها من ممارسة حقها المشروع في الزواج سواء بصورة مباشرة أو من خلال الأعراف الاجتماعية التي تحاول حرمانها من هذا الحق.

لا عبرة بالأعراف إذا خالفت أحكام الشريعة

وأكدت دار الإفتاء أن بعض العادات التي تنظر إلى زواج الأرملة بعد وفاة زوجها على أنه أمر معيب أو منافٍ للوفاء هي من الموروثات الاجتماعية التي لا تستند إلى دليل شرعي بل تخالف مقاصد الإسلام في حفظ حقوق المرأة وصيانة كرامتها.

واختتمت الفتوى بالتأكيد على أن زواج الأرملة بعد انتهاء العدة حق شرعي ثابت لا يجوز لأحد منعه أو التضييق عليه. والعبرة في ذلك بأحكام الشريعة الإسلامية لا بالأعراف التي تخالف نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية. ودعت إلى احترام هذا الحق وصيانة المرأة من الضغوط المجتمعية التي تحرمها مما أحله الله لها.