في قلب صعيد مصر، وعلى الضفاف الغربية لبحر يوسف، تقع مدينة فريدة من نوعها، تحمل في طياتها تاريخًا عريقًا وآثار حضارات متعاقبة. إنها مدينة “البهنسا”، المعروفة تاريخيًا بلقب “بقيع مصر”، والتي تعد شاهدًا حيًا على تاريخ مصر القديم والوسيط والإسلامي، ومركزًا دينيًا وروحيًا له مكانته الخاصة في وجدان المصريين.

على مدار سنوات طويلة، ظلت البهنسا حاضرة في كتب التاريخ وغائبة عن خطط التطوير الكبرى رغم إمكانياتها الكبيرة كمقصد ديني وثقافي. لكن الأمور بدأت تتغير في السنوات الأخيرة مع تصاعد الاهتمام الرسمي بإحياء المناطق التراثية والدينية. وقد تجلى ذلك خلال الزيارة الأخيرة التي قام بها الدكتور أسامة الأزهري، وزير الأوقاف، والتي حملت معها إعلانًا عن بداية مرحلة جديدة في تاريخ “بقيع مصر”. لم تكن الزيارة مجرد تفقد، بل تدشين لرؤية جديدة تهدف لإعادة اكتشاف البهنسا وإحياء مكانتها التاريخية والدينية وتحويلها إلى مشروع حضاري متكامل.

اهتمام رئاسي ومشروع حضاري متكامل

تشير المؤشرات الرسمية إلى أن مشروع تطوير البهنسا يُعتبر جزءًا من رؤية شاملة تتبناها الدولة المصرية لإحياء التراث الحضاري والديني. وأوضح الدكتور أسامة رسلان، المتحدث الرسمي باسم وزارة الأوقاف، أن منطقة البهنسا ومشروع القاهرة التاريخية يحظيان باهتمام مباشر من فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي. الدولة عازمة على تنفيذ مشروع متكامل يحافظ على الطابع الإسلامي والأثري للمنطقة ويبرز قيمتها الحضارية عبر العصور المختلفة.

وأضاف رسلان أن الوزارة تعمل وفق رؤية شاملة لإحياء المكانة العلمية والثقافية للبهنسا بالتنسيق مع مختلف أجهزة الدولة. الهدف هو تحويل المدينة إلى مقصد عالمي للسياحة الدينية والثقافية يستقطب الزائرين من مختلف أنحاء العالم. كما تم وضع خطة لجمع كل ما كُتب عن البهنسا في الكتب والمراجع تمهيدًا لإصدار موسوعة تاريخية وثقافية موثقة.

موسوعة علمية وتطبيق ذكي لإحياء الذاكرة التاريخية

من أبرز ملامح المشروع الجاري الإعداد له هو توثيق كل ما كُتب عن البهنسا بهدف إصدار موسوعة شاملة توثق تاريخ المدينة منذ نشأتها وحتى العصر الحديث. كما تشمل الخطة إطلاق منصة إلكترونية وتطبيق ذكي يقدم خريطة تفاعلية للمقامات والمعالم الأثرية، مما يسهل على الزائرين التعرف على المواقع التاريخية ويعزز تجربتهم.

تطوير شامل للمزارات والبنية التحتية

خلال الأيام الماضية، زارت لجنة مشتركة بين وزارة الأوقاف ووزارة السياحة ومحافظة المنيا لوضع تصور لخطة التطوير. انتهت اللجنة إلى مجموعة من التوصيات المهمة تشمل تطوير المنطقة المحيطة بمسجد سيدي علي الجمام ورفع كفاءة البنية التحتية وإنشاء ممشى حضاري يربط بين المزارات المختلفة.

البهنسا.. مدينة ولدت مع الحضارة المصرية

قبل أن تصبح مدينة للشهداء والصالحين، كانت البهنسا واحدة من أهم المدن المصرية القديمة وعاصمة للإقليم التاسع عشر من أقاليم مصر العليا. عرفت في العصر الفرعوني باسم “بر مجد” وكانت تمثل نقطة استراتيجية مهمة بين وادي النيل والطرق المؤدية إلى الواحات.

ومع دخول العصر اليوناني، أصبحت المدينة تعرف باسم “أوكسيرنخوس” الذي ارتبط بالسمكة المقدسة لدى المصريين القدماء. وفي العصر الروماني شهدت المدينة ازدهاراً كبيراً حيث ضمت منشآت عامة ضخمة وشبكة واسعة من الطرق والمنشآت العامة.

البهنسا والعائلة المقدسة

اكتسبت البهنسا مكانة روحية خاصة مع انتشار المسيحية حيث ارتبطت برحلة العائلة المقدسة إلى مصر. تشير الروايات التاريخية إلى أن السيد المسيح والسيدة مريم مرا بالمدينة مما منحها مكانة دينية كبيرة لدى المسيحيين.

لماذا سميت بـ”بقيع مصر”؟

ارتبطت شهرة البهنسا بالعصر الإسلامي بعد أن أصبحت مسرحًا لمعركة الفتح الإسلامي لمصر حيث شهدت معارك ضارية شارك فيها عدد كبير من الصحابة والتابعين مما منحها لقب “بقيع مصر”.

مدينة المقامات والأولياء

تضم البهنسا عشرات المقامات والأضرحة التاريخية مثل مسجد ومقام سيدي علي الجمام وقبة أولاد عقيل وغيرها، وقد تحولت هذه المقامات عبر القرون إلى جزء من الهوية الثقافية والدينية لصعيد مصر.

مسجد الحسن الصالح.. جوهرة معمارية نادرة

يعد مسجد الحسن الصالح بن علي زين العابدين أحد أهم النماذج المعمارية الإسلامية في صعيد مصر ويعود تاريخه إلى عام 332 هجرية قبل تأسيس الجامع الأزهر الشريف.

على الرغم من القيمة التاريخية والدينية الكبيرة للبهنسا إلا أنها ظلت تعاني من الإهمال لعقود طويلة. لكن السنوات الأخيرة شهدت تحركًا متزايدًا لإعادة إحياء المنطقة وتحويلها إلى مشروع حضاري وثقافي وإنساني متكامل يتماشى مع رؤية الدولة لتطوير السياحة الدينية في مصر.