فركت عينَيَّ وأنا أقرأ الخبر الصادم، فاتصلت بصديقتي وأم الأحرار، الكاتبة الكبيرة ثناء الكراس، التي أكدت لي الخبر وهي في حالة من الانهيار. رحل نبيل صادق، أحد أعمدة فن الكاريكاتير، وأول من وضع خطوطه لأول صحيفة مصرية معارضة في نوفمبر 1976م.

كان نبيل صادق فنانًا موهوبًا وإنسانًا مدهشًا، له قصة مع الصحافة بدأت من أعماق الإقليمية وصولاً إلى آفاق القاهرة الرحبة. جاء نبيل من الشرقية ليصبح اسمًا بارزًا وفكرًا ناقدًا للفاسدين. بعد سنوات قليلة من وصوله، أصبح أحد الأسماء اللامعة في عالم الصحافة.

كان الراحل الكاتب الصحفي الكبير وحيد غازي رئيس قسم التحقيقات في أول صحيفة مصرية معارضة صدرت بعد المنابر الثلاثة، وكان يُعرف بأنه صحفي يطير بين المحافظات. خلال إحدى رحلاته إلى محافظة الشرقية، اطلع على صحيفة محلية ولفت انتباهه فنان كاريكاتير مدهش يدعى نبيل صادق.

عندما عاد وحيد إلى القاهرة، تحدث إلى رئيس التحرير الراحل صلاح قبضايا عن هذا الفنان الرائع. كانت صحيفة الأحرار قد نشأت على مزيج من صحفيي أخبار اليوم والجمهورية، وكان صلاح قبضايا أحد أعمدة أخبار اليوم. بدأ وحيد غازي وسعيد عبد الخالق بضم عدد من الشباب الواعدين مثل حمدي حمادة ولطفي عبد اللطيف وجمال شوقي وثناء الكراس وغيرهم.

قدم وحيد عددًا من أعمال الصحيفة الإقليمية إلى صلاح قبضايا الذي انبهر بروعة خطوط نبيل صادق. وفي اليوم التالي، أصبح نبيل واحدًا من أهم رموز الأحرار وقدّم مجموعة من الشخصيات الكاريكاتيرية، أبرزها مخلص الوسطاني الذي جسّد صوت الوسط بطريقة ساخرة وعميقة.

لم تكن ريشة نبيل صادق وحدها هي ما جذبته إلى صحافة المعارضة الناشئة في أواخر عام 1976م؛ بل تشكّل فريق عمل حوله برئاسة التحرير ساهم في صياغة الأفكار المطروحة في كل عدد. بين ليلة وضحاها أصبح ابن الشرقية حديث الجماهير ووجوده حاضر أيضًا في ساحات المحاكم!

عملت مع نبيل صادق لأكثر من عشرين عامًا، ولم أره يومًا إلا وتعلو وجهه ابتسامة تملأ الدنيا سعادة وإشراقًا ومحبة. لم أسمع منه طوال هذه الرحلة الحافلة إلا كل طيب، ولم يختلف يومًا مع زميل إلا وصالحه قبل مغادرته صالة التحرير؛ كان قلبه يسع الجميع.

بينما تدور حلبة النقاش والجدل في صالة التحرير، كان نبيل يجلس في زاوية بعيدة غارقًا في أفكاره. وعند اللحظة الحاسمة يأتيك تعليقه وكأنه يضع عبارته المركزة فوق شخصيته الكاريكاتيرية. كانت سخرية نبيل ملتزمة وتشبه تدينه وتنسجم مع أخلاقه وطبيعته الوديعة.

رحم الله نبيل صادق وأسبغ على أهله وتلامذته ومحبيه وزملائه صبرًا جميلًا. لم يكن نبيل شخصية عابرة في بلاط صاحبة الجلالة؛ بل كان بطلًا شجاعًا يدافع عن البسطاء ونارًا على أعداء مصر ونورًا هاديًا لأهلها.. كان فعلًا النبيل الصادق.