شخّص رئيس جامعة كفر الشيخ السابق وأستاذ النانو تكنولوجي الدكتور ماجد القمري واقع ومستقبل المنظومة التعليمية في مصر، مؤكدًا أن التعليم يمثل ركيزة السيادة وقاطرة التنمية الشاملة لأي أمة تسعى للريادة، حيث استشهد بالتجارب النهضوية الكبرى لدول مثل سنغافورة واليابان والصين وكوريا الجنوبية، والتي لم تحقق طفراتها الاقتصادية والتكنولوجية إلا عبر بوابة الاستثمار الحقيقي في التعليم.

من “الإتاحة” إلى “الجودة والمهارة”

وأوضح الدكتور القمري أن الدولة المصرية قطعت بالفعل شوطًا كبيرًا وملموسًا في مرحلة “الإتاحة”؛ وذلك من خلال التوسع الأفقي والرأسي غير المسبوق في إنشاء الجامعات الحكومية والتكنولوجية والأهلية والخاصة.

وشدد على أن المفهوم المعاصر للجامعة قد تغير جذريًا؛ حيث تحول من مجرد جهة لمنح الشهادات الأكاديمية الورقية إلى منصة متكاملة لمنح المهارات، وتأهيل الخريجين بشكل فعلي لمتطلبات سوق العمل المتسارعة، وإحداث تغيير إيجابي وحقيقي في بنيان المجتمع.

وأشار القمري إلى وجود فجوة تحتاج إلى معالجة سريعة، مبينًا أن المخرجات التعليمية الحالية لا تتناسب بالشكل الأمثل مع حجم المدخلات الهائلة التي تضخها الدولة، سواء على مستوى البنية الأساسية المتطورة أو الكوادر البشرية المتاحة.

البحث عن الهوية الوطنية والابتكار.

وحول قضية “الهوية التعليمية”، وجّه رئيس جامعة كفر الشيخ السابق انتقادًا لاذعًا لسياسة نقل الأفكار والأنظمة التعليمية بحذافيرها من الدول الأخرى وإسقاطها على الواقع المحلي، مشبهًا هذه العملية بـ “محاولة زراعة بذور في مناخ مختلف تمامًا عن بيئتها الأصيلة”.

وشدد القمري على أن الجامعات المصرية بحاجة ماسة وصارمة لصياغة هوية وطنية خالصة، وتحديد نموذجها الخاص الذي يتوافق بدقة مع متطلباتها وظروفها المحلية، مستشهدًا بعبارة بليغة: “التقليد يصنع أتباعًا، لكن الإبداع والابتكار هما اللذان يبنيان الأوطان”.

وأكد على ضرورة الاستفادة الذكية من التجارب الدولية الناجحة وتطويعها لبناء منظومة تعليمية تتوافق مع ظروف واحتياجات مصر والمصريين بدلًا من النسخ الأعمى.

ربط العلم بالاقتصاد والتحديات القادمة.

وأشار الدكتور القمري إلى أن معيار التعليم الجيد يكمن في قدرته على ربط البحث العلمي بالاقتصاد والصناعة بشكل عضوي، بما يضمن تحويل الفكرة النظرية إلى مشروع تطبيقي والمشروع إلى رافد اقتصادي قوي، وهو المستهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه الدولة حاليًا.

وفي مقارنة سريعة، أوضح أن الجامعات الخاصة باتت تنافس بقوة الجامعات الحكومية بفضل مرونة أنظمتها المتقدمة وحرية حركتها الإدارية وقدرتها العالية على ربط التدريس بالواقع العملي وصقل مهارات الطلاب.

وفي ختام حديثه، كشف القمري عن أزمة حرجة تواجه التعليم العالي تتمثل في عدم إعداد النظام “قبل الجامعي” للطلاب لتهيئتهم للحياة الجامعية؛ حيث يفد الطلاب إلى الجامعات محملين بثقافة “الدروس الخصوصية” التي تفتقر لمهارات التعلم الذاتي والعمل الجماعي مما يضطر الجامعات لبذل جهود مضاعفة لإعادة تأهيلهم عبر برامج الإرشاد الأكاديمي والنفسي.

واعترف القمري بأن التعليم المصري الحالي جيد لكنه لا يرقى بعد لطموح الدولة مؤكدًا أن حراك التطوير الشامل الذي ينادي به الرئيس عبد الفتاح السيسي هو السبيل الأوحد لتحقيق الهدف الأسمى بتحويل التعليم إلى مظلة أمن قومي حقيقي يحمي ويدفع بمستقبل البلاد.