نظمت مكتبة الإسكندرية ندوة فكرية بعنوان “ذاكرة الإسكندرية الثقافية”، وذلك ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب في دورته الحادية والعشرين.

شهدت الندوة قراءة معمقة في تاريخ المدينة الإبداعي، متتبعةً محطات ملهمة من مسيرة الشعر والسرد التي صاغت وجدان المدينة عبر العصور.

أدارت اللقاء الدكتورة يسرا العدوي، أستاذة الأدب العربي بجامعة دمنهور، بمشاركة كل من الدكتور بهاء حسب الله، أستاذ الأدب العربي بجامعة حلوان، والدكتور محمد الحداد، أستاذ مساعد النقد الأدبي والبلاغة.

افتتحت الدكتورة يسرا العدوي الندوة بالتأكيد على المكانة الحضارية الاستثنائية للإسكندرية وصورتها الذهنية كعاصمة دائمة للفن والإبداع.

وأشارت إلى أن مكتبة الإسكندرية تضطلع بدور ريادي كصرح وطني في توثيق هذه الذاكرة وتحليلها لضمان استمرارية المدينة كمعبر عالمي للفنون والآداب.

في المحور الأول، استعرض الدكتور بهاء حسب الله تجليات الإسكندرية في الأدب القديم، موضحًا أن سطوع نجمها الثقافي ارتبط بقدوم الفاطميين (352 هـ)، وتعاظم في العصور الأيوبية والمملوكية.

وبيّن كيف تحولت المدينة إلى مركز للحراك الأدبي الموازي لبسط السيطرة السياسية من خلال بناء المساجد الكبرى التي أُلحقت بها مدارس لتدريس علوم اللغة العربية والفقه والتاريخ.

وتوقف حسب الله عند القيمة الرمزية لمساجد الإسكندرية، مشيرًا إلى مسجد العطارين الذي كان مقصداً لصلاح الدين الأيوبي والظاهر بيبرس للاعتكاف ودراسة التاريخ، و”الشاطبي” الذي وضع أسس علم القراءات العشر.

كما استذكر وصف الرحالة ابن جبير للمدينة بأنها كانت أكثر بلاد الله مساجد ومدارس، وقبلة لطلاب العلم تسبق القاهرة في شهرتها العلمية. واستعرض أسماءً شكلت المدرسة السكندرية في البلاغة مثل ابن قلاقس وضياء الدين بن الأثير وصولًا إلى القاضي ابن خلدون الذي أقام بها عشر سنوات.

من جانبه، تناول الدكتور محمد الحداد في المحور الثاني ذاكرة الشعر والسرد المعاصرين، مسلطًا الضوء على الطابع الكوزموبوليتاني الذي ميز المدينة في القرن العشرين.

قدم الحداد مقارنة بين الشاعر اليوناني قسطنطين كفافيس الذي استدعى تاريخ المدينة الهيلينستي لمعالجة قضايا فلسفية، وبين الشاعر الإيطالي جوزيبي أونغاريتي الذي نشأ في حي محرم بك وتشرب بمزيج الثقافات السكندرية قبل انتقاله إلى باريس.

وأفرد الدكتور الحداد مساحة خاصة للحديث عن بيرم التونسي واصفًا إياه بشاعر الشعب الذي جسد الهوية المصرية والسكندرية في أبهى صورها. وأكد أن إبداع بيرم نبت من أزقة السيالة والأنفوشي وامتاز بروح ساخرة ودعابة تعكس الشهامة والفهلوة السكندرية الأصيلة.

كما استعرض الحراك السردي الذي جعل من الإسكندرية فضاءً روائيًا عالميًا بدءًا من “رباعية الإسكندرية” للورانس ديريل وصولًا إلى روائع أديب نوبل نجيب محفوظ في “ميرامار” و”السمان والخريف” وإبداعات إبراهيم عبد المجيد ومصطفى نصر ومحمد جبريل. كما أشار إلى دور الجماعات الأدبية في صياغة المشهد الإبداعي المعاصر.

اختتمت الندوة بنقاش مفتوح مع الجمهور أكد فيه المشاركون أن الإسكندرية ستظل مادة خصبة للإلهام الأدبي الإنساني وقادرة على تجديد ذاكرتها الثقافية مع كل جيل مبدع.

تجدر الإشارة إلى أن الدورة الحادية والعشرين من معرض مكتبة الإسكندرية الدولي للكتاب تقام في الفترة من 6 إلى 20 يوليو 2026 بالتعاون مع الهيئة المصرية العامة للكتاب واتحادي الناشرين المصريين والعرب وبرعاية بنك ABC. وتم اختيار المخرج الراحل داوود عبد السيد شخصية المعرض هذا العام تقديرًا لإسهاماته المتميزة في تاريخ السينما المصرية وتكريمًا لمسيرته الإبداعية الممتدة. ويشارك في هذه الدورة حوالي 86 دار نشر مصرية وعربية، إلى جانب تقديم 410 فعاليات ثقافية على مدار أيام المعرض بمشاركة أكثر من ألف متحدث من مصر ومختلف دول العالم.