دمج الوزارات المتقاربة في الاختصاصات أصبح نهجًا عالميًا تتبعه العديد من الدول المتقدمة لرفع كفاءة الأداء الحكومي. إن تقليص عدد الوزارات يسهم في الحد من البيروقراطية، تسريع اتخاذ القرار، وتحسين بيئة الاستثمار وجودة الخدمات الحكومية، كما يحد من تضارب الاختصاصات ويمنع الترهل الإداري. في معظم دول العالم يتراوح عدد الوزارات بين 17 و20 وزارة فقط، وفي دول أخرى إلى أقل من ذلك بكثير.

يمثل دمج الوزارات نهجًا إداريًا اتبعته العديد من الدول بهدف تعزيز التنسيق بين القطاعات المتشابهة وتخفيف الأعباء الإدارية. هذا يمنح الوزراء التنفيذيين صلاحيات أوسع لاتخاذ القرارات، ويقلل الحاجة إلى عرض عدد كبير من الملفات على مجلس الوزراء، مما يسهم في تسريع تنفيذ السياسات العامة. تجدر الإشارة إلى تجربتين في الحكومة المصرية: دمج التنمية الإدارية مع البيئة، وتكليف وزير التعليم العالي والبحث العلمي بتسيير أعمال وزارة الثقافة. يمكن البناء على هذه التجارب والنظر في نتائجهما وإمكانية تعميمها، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي تواجه الحكومة.

في الوزارات ذات الطابع الاقتصادي، يسهم الدمج في تعظيم العائد على الاستثمار وتحقيق تكامل بين السياسات الاقتصادية والتنموية. كما يربط الحقائب الوزارية في منظومة عمل متجانسة تحقق الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والأمنية بدلًا من عملها بصورة منفصلة قد تؤدي إلى تداخل الاختصاصات أو تضارب المصالح.

يعد هذا النهج أحد الأساليب الإدارية المتبعة في العديد من الدول المتقدمة، حيث يقوم على التقسيم الوظيفي والتخصص الدقيق مع وضوح الصلاحيات والمسؤوليات. ففي الولايات المتحدة الأمريكية تعمل الحكومة الفيدرالية من خلال 15 وزارة فقط، بينما يتراوح عدد الوزارات في معظم الدول الأوروبية بين 15 و22 وزارة. وفي دول شرق آسيا يدور حول 20 وزارة، فيما يتراوح في عدد من الدول العربية بين 18 و30 وزارة.

التجربة الأرجنتينية.

تعتبر الإمارات العربية المتحدة واحدة من أبرز التجارب في هذا المجال، حيث أعلنت في عام 2020 إعادة هيكلة شاملة للحكومة بهدف جعلها أكثر مرونة وسرعة في اتخاذ القرار بسبب التداعيات الاقتصادية لجائحة كورونا. شملت عملية التطوير دمج وزارتي الطاقة والبنية التحتية ودمج عدد كبير من الهيئات الاتحادية، إلى جانب إلغاء نحو نصف مراكز الخدمات الحكومية وتحويل خدماتها إلى منصات رقمية خلال عامين.

كما اتجهت الأرجنتين بعد تولي الرئيس خافيير ميلي السلطة إلى تنفيذ خطة لإعادة هيكلة الجهاز التنفيذي، كان من أبرز ملامحها خفض عدد الوزارات من 18 إلى 9 وزارات ضمن برنامج يستهدف ترشيد الإنفاق العام وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الأداء الحكومي ومواجهة التضخم.

شهدت دول أخرى تجارب مماثلة؛ ففي المملكة المتحدة عام 2002 تم دمج وزارة الطاقة مع وزارة الموارد الطبيعية بهدف تعزيز كفاءة إدارة الموارد وتحقيق تنسيق أكبر في سياسات الطاقة. كما أجري عام 2009 دمج بين وزارة الطاقة والتغير المناخي ووزارة التجارة والصناعة لتحقيق تكامل بين سياسات الطاقة والبيئة والتجارة بما يدعم التنمية الاقتصادية ويعزز فاعلية الأداء الحكومي.

إصلاح إداري.

تؤكد هذه التجارب أن دمج الوزارات أصبح أحد أدوات الإصلاح الإداري التي تلجأ إليها الحكومات لتحقيق مزيد من الكفاءة والمرونة وخفض النفقات وتطوير آليات صنع القرار بما يتلاءم مع المتغيرات الاقتصادية والإدارية المتسارعة.

<pومن بين التجارب الدولية البارزة تأتي كندا التي أعادت في عام 2015 هيكلة بعض حقائبها الحكومية عبر دمج وزارتي الموارد الطبيعية والطاقة بهدف رفع كفاءة إدارة الموارد الطبيعية وتعزيز التكامل بين سياسات الطاقة والموارد.

كما اتجهت أستراليا إلى النهج نفسه؛ ففي عام 2007 تم دمج وزارة الطاقة وتغير المناخ مع وزارة الموارد المائية والري قبل أن تعيد عام 2009 دمج وزارة الطاقة والتنمية المستدامة مع وزارة البيئة لتوحيد السياسات البيئية والتنموية.

وفي أوروبا برزت إيطاليا التي دمجت عام 2014 وزارتين هما البيئة والموارد الطبيعية تحت مظلة واحدة تعنى بالبيئة والتنمية المستدامة. بينما قامت ألمانيا عام 2013 بدمج وزارة الطاقة مع وزارة البيئة لتحقيق التنسيق بين سياسات الطاقة والتحول البيئي.

آراء الخبراء.

وفي هذا السياق أكد الدكتور جودة عبد الخالق أستاذ الاقتصاد ووزير التموين الأسبق أن دمج الوزارات المتقاربة يعد خطوة مهمة لتحسين كفاءة الجهاز الحكومي. وقد دعا سابقًا إلى دمج وزارتي التموين والتضامن الاجتماعي تحت مسمى “وزارة العدالة الاجتماعية” بما يحقق تكاملًا في السياسات الاجتماعية. وأشار أيضًا إلى إمكانية دمج وزارات أخرى تتداخل اختصاصاتها مثل وزارتي الزراعة واستصلاح الأراضي والموارد المائية والري وكذلك الوزارات المعنية بقطاع الطاقة مثل الكهرباء والبترول.

أما أحمد بهاء الدين شعبان رئيس الحزب الاشتراكي المصري فقد أكد أن دمج الوزارات يعد أحد الاتجاهات الحديثة لتطوير الأداء الحكومي لتحقيق قدر أكبر من التكامل بين السياسات العامة وتعزيز التعاون بين الوزارات ذات الاختصاصات المتقاربة مما يسهم في تعظيم الاستفادة من الموارد وتحسين تنفيذ البرامج الحكومية ذات التأثير المباشر على المواطنين.

وأشار الدكتور محمد حسن خليل الخبير الاقتصادي إلى أهمية ترشيد الإنفاق الحكومي وأن ما يتردد بشأن اتجاه الحكومة لدمج بعض الوزارات يمثل فرصة حقيقية لتقليص النفقات العامة خاصة أن بعض الوزارات تستهلك موازنات كبيرة دون أن ينعكس ذلك بصورة واضحة على الأداء الاقتصادي أو تحسين الخدمات.