أكدت الدكتورة صفاء حمودة، أستاذ الطب النفسي المساعد بجامعة الأزهر، أن الأمثال الشعبية التي تؤكد أهمية الترابط الأسري والانتماء تعكس طبيعة إنسانية أصيلة. وأشارت إلى أن بناء العلاقات الإيجابية داخل الأسرة ينعكس بشكل مباشر على سلوك الفرد في المجتمع ويعزز قدرته على التعاون والتفاعل مع الآخرين.
أوضحت خلال حوارها مع الإعلامية مروة شتلة في برنامج البيت، المذاع على قناة الناس، أن الثقافة الحديثة، خاصة مع انتشار التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي، باتت تدفع نحو تعزيز النزعة الفردية. حيث أصبح الاعتماد على الوسائل الرقمية بديلاً عن التفاعل الإنساني المباشر، مما قلل من الاحتياج الظاهري للآخرين.
وأضافت أن السوشيال ميديا تروج لفكرة “الظهور الفردي” والسعي للتميز الشخصي، مما يدفع البعض إلى تفضيل العمل المنفرد للحصول على التقدير والاهتمام، حتى وإن كان العمل الجماعي أكثر فاعلية. لافتة إلى أن هذا النمط يظهر بوضوح في مجالات متعددة حيث يسعى الفرد لأن يكون في “الصورة” بمفرده بدلاً من أن يكون جزءًا من فريق.
وأشارت إلى دور الأسرة المحوري في تشكيل هذه الثقافة، موضحة أن بعض أساليب التربية الخاطئة، مثل تلبية جميع رغبات الأبناء دون حدود أو تحميلهم مسؤوليات، تزرع لديهم النزعة الأنانية وتقلل من روح المشاركة. حيث ينشأ الطفل غير معتاد على التعاون أو تحمل المسؤولية داخل البيت.
أكدت أن غياب التدريب على العمل الجماعي داخل الأسرة ينعكس لاحقًا في سلوك الفرد داخل المجتمع، حيث يصبح أقل استعدادًا للمشاركة والتعاون. مشددة على أن غرس قيم المشاركة منذ الصغر يمثل حجر الأساس في بناء شخصية متوازنة قادرة على التفاعل الإيجابي مع الآخرين.
«وتعاونوا على البر والتقوى» دستور إلهي يرسّخ التكافل
أكدت أن قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ يحمل رسالة إلهية واضحة تُرسّخ قيمة التعاون بين الناس. مشيرة إلى أن الآية لم تأتِ بصيغة العمل الفردي، بل أكدت على العمل المشترك القائم على التكافل والتراحم.
أوضحت أن هذه الآية تُعد بمثابة دستور عام ينظم العلاقات الإنسانية حيث دعت إلى التعاون في كل أبواب الخير. موضحةً أن كلمة “البر” تشمل مختلف مجالات الإحسان والعمل الصالح بينما ترتبط “التقوى” بمراقبة الله واستحضار رضاه في كل سلوك.
وأضافت أن التعاون في الإسلام ليس مطلقًا بل مشروط بأن يكون في إطار الخير. مستشهدة باستكمال الآية: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ مؤكدةً أن هذا التوازن يحمي المجتمع من الانحراف ويضمن توجيه الطاقات نحو البناء لا الهدم.
وأشارت إلى تجسيد هذا المعنى عمليًا في سيرة النبي صلى الله عليه وسلم حيث دعا إلى التكافل بين الناس كما في قوله: «خيركم خيركم لأهله»، وقوله: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». موضحةً أن هذه القيم تبدأ من داخل الأسرة ثم تمتد إلى المجتمع بأكمله.
شددت على أهمية النية كعنصر حاسم في تحقيق معنى التعاون الحقيقي مستشهدة بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الأعمال بالنيات». موضحةً أن العمل المشترك إذا اختلط بالرياء أو السعي وراء المصالح الشخصية يفقد قيمته وقد يتحول إلى سلوك ظاهري لا يحقق أهدافه.
لفتت إلى أن الإخلاص في النية واستحضار مراقبة الله يجعل التعاون مثمرًا ومستمرًا ويحول العمل الجماعي إلى وسيلة لتحقيق الخير العام بعيدًا عن الأنانية أو السعي للظهور مما يعزز تماسك المجتمع واستقراره.
اقرأ المزيد..

