من مركز القوة والعقل والقرار، من الأوكتاجون بالعاصمة الإدارية، مقر مخ الدولة الاستراتيجي، أطلق الرئيس عبد الفتاح السيسي رسائل عدة على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية، حيث كانت هذه الرسائل واضحة ومفهومة وتحت دراسة القوى الإقليمية جميعها، مثل إسرائيل وإيران وتركيا، بالإضافة إلى الأشقاء في الخليج. فقد كانت رسالة طمأنة للأشقاء، وخطاب ندية وتعاون للأصدقاء، ورسالة ردع وكبح للعدو.
تلك الرسائل توجّه أيضًا إلى دول العالم الفاعلة الكبرى، لتؤكد أن مصر في جمهوريتها القوية دولة تحافظ على السلام وتمارس دورًا يليق بتاريخها وقوتها واستقلالها. ويمكن القول إن الإدارة المصرية نجحت بامتياز في تحقيق ذلك عالميًا خلال السنوات الثلاث الماضية منذ اندلاع حرب غزة بهجوم حماس على إسرائيل في السابع من أكتوبر وحتى اليوم، مع استمرار الصراع الإيراني الأمريكي في الخليج وتداعياته القاسية.
ومع أهمية كل ما سبق، فإن الأهم في تقديرنا هو رسائل الرئيس إلى الداخل، والتي تتضمن توجيهين رئيسيين نأمل ألا يجهضهما عدم القدرة أو عدم المعرفة أو العمد المتشح بإظهار بلاهة النسيان أو التحايل. فهذه الدعوة تعتبر نقلة نوعية في رؤية الرئيس لحق مصر حاليًا وفي التوقيت الذي رآه مناسبًا وضروريًا بعد خمسة عشر عامًا من الجهد المثمر.
يتعلق الحق الأول بإعلام حر موضوعي مهاري، والحق الثاني بحياة حزبية نشطة. ويرتبط بهذين الحقين الحتميين حق ثالث هو إجراء انتخابات المحليات التي تعطلت لمدة عقد ونصف العقد حتى لا يتسلل الإخوان والدقون المريبة المزيفة إلى شغل مقاعد مجالس المدن والقرى والمحافظات، ويجندون كتائب مغيبة العقل كما حدث في شهر الخراب يناير 2011.
توجيه الرئيس إلى حكومة المهندس مصطفى مدبولي لتنفيذ هذه الحقوق الثلاثة يعني أن الدولة عادت لتثق في وعي المواطن. فبعد تعرضه لاختبارات نار قاسية حارقة في الغلاء والبلاء وفي ظروف تحريض خارجية فاشلة، أصبح لديه مناعة وطنية تصدّ فيروس التخريب والعمالة.
إدراك الدولة لثبوت وعي الناس هو إذن مصدر مطالبة الرئيس بإعلام حر موضوعي وحياة حزبية وانتخابات محلية. وهذه المجالات الثلاثة يطول الحديث فيها؛ فهي إما في بحر هائج غشيم بلا هدف كالإعلام، أو في بحر عشبي راكد كالحياة الحزبية، أو في بحر ميت كالمحليات.
الإعلام هو الجوهر والمحرك والعاكس للحقين السابقين؛ بل هو السلاح الذي يبني أو يدمر. وكم سقطت دول بسبب إعلام الكذب والتضليل. ومن المثير للدهشة أن الرئيس يدعو كثيرًا إلى إعلام قوي حر موضوعي بينما تعقد لجان الستة والسبعين وتنعقد حوارات ونقاشات ثم يظل الأمر مجرد هواء وهراء.
لا شيء تغير ولا شيء تبدل ولا إحساس لدى الناس بأن الدولة المصرية تملك إعلامًا قويًا يذكر الحقائق بالمعلومات والموضوعية. لماذا لا تتحقق الرغبة في إعلام قوي موضوعي؟
الإعلام بطبيعته الحقة يجب أن يكون موضوعيًا وهذا يتطلب الحيدة التي تحتاج بدورها للمعلومات التي لا تتوفر إلا بمزاج الوزير أو الغفير. فالحق الصحفي والإعلامي في المعلومات معقود على إرادة ليست إرادته بل بيد الإدارة ورأسها الأعلى وهو الرئيس الذي يطالب بالموضوعية؛ لذا فإن التنفيذ هنا منوط بحرية الحصول على المعلومات.
أما الدعامة الثانية فهي أن الناس لن يصدقوا حرفًا واحدًا ممن بات موضع ازدرائهم من المنافقين والمتحولين والمنتفعين الذين رأى الشعب أنهم كانوا يهتفون ضد جيش الدولة وقضائها وشرطتها داعين لإسقاطها ثم يمارسون الآن علينا فعل الوطنية السطحي!
مصداقية المرسل هي أساس قبول المتلقي واقتناعه وتجاوبه وترتبط بتحرير المعلومات بتحرير الصحفي من ضميره؛ لأن الإحساس بوجود ظل واقف وراءه يجعله أمام اختيارين: إما أن يكتب ما يمليه الظل درءً للمتاعب أو يناور الظل فتقع المصاعب.
فلنترك الصحفيين والإعلاميين يعملون بحرية تحت ضمير المهنة وتحاسبهم نقاباتهم وضمائرهم. والقاضي الطبيعي حال الطعن أمام المحاكم المدنية. وإذا كان توجيه الرئيس هدفه إعلام قوي فاعل يعكس قوة الدولة وحيويتها السياسية داخليًا وخارجيًا فمن القائم بالدور حاليًا؟
السؤال يعني أن معظمهم هو بيت الداء… داء تحت التجريب ومستمر رغم تكرار دعوات المؤسسة الرئاسية للتطوير؛ فالأطباء هم من يقوم بالتطوير والعلاج وليس المرضى! والأطباء في البيوت يتفرجون….
أما الحياة الحزبية فهي حمل ثقيل وتحتاج إلى نفخة روح قوية أساسها إعادة بث جلسات البرلمان مباشرة على الهواء ليعرف الناس أدوار ممثليهم ومدى صدقهم في تمثيل مصالح الشعب وليس مصالح الحكومة رغم معاناة الناس.
يبقى أن ينفذ الدكتور مدبولي توجيهات الرئيس بعناصر إدارية علمية وعملية مهنية فاعلة ولا نملك إلا الدعاء.

