تمكن فريق من الباحثين بمعهد إيشلينسكي لمسائل الميكانيك التابع للأكاديمية الروسية للعلوم من تطوير منهجية مبتكرة تجمع بين الاختبارات الجيوميكانيكية التقليدية وتقنيات محاكاة “اللب الرقمي” المتقدمة.

يُتوقع أن يسهم هذا الإنجاز في تعزيز استقرار آبار النفط، والحد من مشاكل تداخل الرمال، وضمان استخراج الغاز الطبيعي بأمان واستدامة على المدى الطويل، خاصة في واحدة من أكثر البيئات تحديًا في العالم.

يحتوي الجرف القاري الروسي في القطب الشمالي على نحو 70% من إجمالي احتياطيات الغاز الطبيعي للدولة، مما يجعله موردًا استراتيجيًا بالغ الأهمية.

ومع التطور المستمر في سياسات التنمية الإقليمية والتغيرات المناخية التي تُوسع فرص الملاحة عبر طريق بحر الشمال، أصبح الوصول إلى هذه المنطقة أكثر سهولة مما كان عليه سابقًا، ومع ذلك لا تزال عمليات الحفر البحري هناك مكلفة ومعقدة للغاية مقارنة بأنشطة الاستخراج البرية.

التحدي الجيولوجي الأكبر يتمثل في طبيعة تكوين مكامن الهيدروكربونات في القطب الشمالي. فهذه المكامن غالبًا ما تتكون من أحجار رملية ضعيفة التماسك، وهي صخور هشة للغاية بحيث تتفتت إلى رمال بمجرد استخراجها.

هذه الخصائص تجعل من تلك الأحجار مصدرًا لمخاطر مزدوجة: أولاً، احتمالية انهيار جدران البئر نتيجة فروق الضغط المستخدمة لتحفيز تدفق الغاز، وثانيًا مشكلة إنتاج الرمال، حيث تُحمل الجزيئات المفتتة مع تيار الغاز، مما يؤدي إلى تآكل سريع لمعدات الحفر في قاع البئر وعلى سطحه.

لمواجهة هذه التحديات، يصبح من الضروري على المهندسين فهم سلوك الصخور تحت الضغط والتنبؤ به. ومع ذلك، تظل منطقة قاع البئر بعيدة عن إمكانية القياس المباشر، مما يزيد من صعوبة التحكم في الظروف المحيطة.

وفي هذا السياق، قدم فريق معهد “IPMech” منهجية هجينة تعتمد على مزيج متقدم من التجارب الفيزيائية والنماذج الرقمية.

يقوم هذا النهج أولاً بتصوير عينات اللب بالأشعة السينية عالية الدقة لتحديد خصائصها الدقيقة. تُحوّل الصور الناتجة عن هذه العملية إلى نماذج ثلاثية الأبعاد رقمية تُعرف باسم “العينات الرقمية”، ويتم تخزينها لاحقًا في مكتبات افتراضية، هذه التقنية تعِد بمستقبل أكثر أمانًا وفعالية لعمليات الحفر والإنتاج في القطب الشمالي.

وأوضح الدكتور فاليري خيموليا، الباحث في المختبر، أن الاختبارات الميكانيكية والهيدروديناميكية التقليدية تؤدي حتمًا إلى تدمير العينات الفيزيائية أو تشويهها بشكل لا رجعة فيه، مشيرا إلى أن “عينات اللب مورد قيّم، ودائمًا ما يكون شحيحًا”، وفقا لما أوردته بوابة روسيا العلمية.

بعد رفع الصخرة إلى السطح، غالبًا ما تتفتت إلى رمال، فلا يتبقى منها سوى بضعة أمتار سليمة للدراسة. وبفضل حفظ النموذج ثلاثي الأبعاد في مكتبة التوائم الرقمية، يمكننا الرجوع إليه كلما دعت الحاجة إلى معلومات إضافية.

ولضمان الموثوقية، تُجرى مقارنة دقيقة بين التحليلات الرقمية والتجارب الفيزيائية باستخدام نظام الاختبار الفريد للمعهد، وهو نظام التحميل المستقل ثلاثي المحاور (ISTNN).

يتيح هذا الجهاز الخاص للعلماء تطبيق إجهادات ثلاثية المحاور مستقلة على عينات لبية مكعبة (بطول ضلع 40 أو 50 مم) مع قياس التشوه والقوة وخصائص الترشيح في الوقت نفسه.

من المختبر إلى الميدان.

تتضمن آلية العمل مسح العينات الفيزيائية قبل الاختبار، ثم تعريضها لحالات إجهاد مضبوطة تحاكي ظروف قاع البئر باستخدام نظام “ISTNN”، ثم إعادة مسحها بعد ذلك لتسجيل مكان وكيفية حدوث التشوه والانهيار بدقة.

بمقارنة هذه النتائج مع التنبؤات الرقمية، حدد العلماء بدقة فروق الضغط التي تحافظ عندها جدران البئر على استقرارها، والأهم من ذلك، نقاط الإجهاد المحددة التي تبدأ عندها “التشققات” الصخرية بالتشكل.

تعمل هذه التشققات، التي تتسع بمرور الوقت، كنقاط انطلاق لتدفق كميات هائلة من الرمال، وقد تؤدي في النهاية إلى انهيار كامل للبئر.

ومن خلال فهم آلية هذا الانهيار، حدد الفريق أنظمة تشغيل آمنة يمكن تطبيقها خلال مرحلة التصميم. علاوة على ذلك، حلل الباحثون كيفية تغير إنتاج الرمال بتغير ضغط قاع البئر وشكله الهندسي، مما مكنهم من تحديد المعايير المثلى لمرشحات الحصى، وهي معدات بالغة الأهمية مصممة لحجز جزيئات الصخور دون التأثير سلبًا على إنتاجية البئر.

وقال الدكتور يوري كوفالينكو، رئيس مختبر الجيوميكانيكا في المعهد: “إن فهم أنماط هذه العمليات يسمح لنا بالتوصية بأنظمة استغلال آمنة حتى في مرحلة التصميم، بالإضافة إلى طرق لتقوية جدران البئر”.

تاريخ من التميز وتطلعات مستقبلية.

يستند هذا المشروع إلى عقود من الأبحاث الأساسية في مجال الميكانيكا في معهد الميكانيكا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم، وهو إرث يضم شخصيات مرموقة مثل الأكاديميين بي. يا. كوتشينا، وإس. أ. خريستيانوفيتش، والبروفيسور في. إم. إنتوف.

وطوّر المعهد في السابق تقنيات لتعزيز إنتاجية المكامن وتفريغ الآبار الموجهة، والتي اجتازت بنجاح التجارب الميدانية.

وأشار الدكتور فلاديمير كاريف، نائب مدير الأبحاث في معهد الميكانيكا التابع للأكاديمية الروسية للعلوم ورئيس المشروع، إلى أنه “مع ازدياد أهمية تطوير حقول النفط والغاز في الجرف القاري الروسي في القطب الشمالي، اتجه اهتمام علمائنا نحو مشاكل تطويرها، وكما نرى، فقد حققنا بعض النجاحات في هذا الاتجاه”.

يُسرّع المكون الرقمي الأساسي التحليل بشكل ملحوظ ويقلل التكاليف، ويُتوقع أن يصبح هذا النموذج الهجين، المعيار الجديد لضمان التطوير الآمن والمستقر والاقتصادي لأهم موارد الطاقة في القطب الشمالي الروسية.

ويجري البحث حاليًا في إطار مشروع المنحة الرئاسية التابع لمؤسسة العلوم الروسية، بهدف نهائي يتمثل في ابتكار منهجية قابلة للتطوير والتطبيق ليس فقط على حقل واحد، بل على أي خزان نفطي في القطب الشمالي يُكتشف مستقبلًا.