يُعتبر “الصحابة المنسيون” مجموعة من التابعين للنبي ﷺ الذين ساهموا في بناء الدولة الإسلامية ونشر الدعوة، لكنهم لم يحظوا بشهرة واسعة في كتب التاريخ، ومن بين هؤلاء الصحابي الجليل خفاف بن نضلة الثقفي. في هذه السطور، سنتعرف على هذا الصحابي وأبرز أعماله.

من هو خفاف بن نضلة الثقفي؟

خفاف بن نضلة بن عمرو بن بهدلة الثقفي ينتمي إلى قبيلة ثقيف العربية التي كانت تعيش بالطائف وما زالت، وهي إحدى قبائل قيس عيلان المعروفة. أسلمت ثقيف متأخرة في رمضان من العام التاسع للهجرة بعد غزوة الطائف.

تكتنف حياة هذا الصحابي الجليل غموض شديد، فلا نجد له ترجمة توضح معالم حياته سواء في الجاهلية أو الإسلام؛ فالمصادر التي تناولت سيرته تذكر وفادته على رسول الله صلى الله عليه وسلم وإسلامه بإيجاز دون تفاصيل حول حياته السابقة أو اللاحقة. ومع ذلك، يمكننا أن نستنتج أنه أسلم في جمادى الآخرة من السنة الثانية للهجرة، ليكون بذلك قد سبق قومه في الإسلام بسبع سنوات.

وفادته على النبي صلى الله عليه وسلم وسبب إسلامه

قصة إسلام خفاف بن نضلة تحمل طابعًا عجيبًا؛ حيث يبدو أنه كان على اتصال بالجن. ففي إحدى الليالي، جاءه جني مسلم في المنام ودعاه للإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم والاستجابة لدعوته. تكررت هذه الرؤية عدة ليالٍ مما دفعه للرحيل على ناقته رغم المشاق والتحديات التي واجهها عبر الصحراء القاحلة التي لا نبات فيها ولا ماء، حتى وصل إلى المدينة ليعرض قصته على الرسول صلى الله عليه وسلم ويعلن إسلامه.

أول مصدر ترجم له هو كتاب (معجم الشعراء) للمرزباني (297 – 384 هـ)، حيث نقل كل من ترجموا لخفاف عنه. يُقسم الكتاب إلى أبواب وفق حروف المعجم، لكن للأسف فُقد الجزء الأول الذي يحتوي على ترجمة خفاف.

رواية إسلامه أوردها ذابل بن الطفيل بن عمرو الدوسي؛ حيث روت ابنته جمعة أو جميعة (شك من الرواة) أن رسول الله صلى الله عليه وسلم جلس في مسجده بعد انصرافه من الأباطح، وقد قدم عليه خفاف وأنشد:.

كمْ قَدْ تَحَطَّمتِ القَلُوصُ بِيَ الدُّجَى
في مَهْمَهٍ قَفْرٍ مِنَ الفَلَواتِ
فِلٌّ مِنَ التوريسِ ليس بقاعه
نَبْتٌ مِنَ الإسْنات والأَزَماتِ
إني أتاني في المنام مُساعِدٌ
من جِنِّ وَجْرَةَ كان لي ومواتي
يدعو إليك لياليًا ولياليا
ثم احْزَألَّ وقال: لستُ بآتِ
فرَكِبْتُ ناجِيَةً أضَرَّ بِنَيِّها
جَمْزٌ تَخُبُّ به على الأَكَماتِ
حتى وَرَدْتُ إلى المدينة جاهدًا
كيما أراك فَتُفْرِجَ الكُرُباتِ.

استحسن النبي صلى الله عليه وسلم شعره وقال: “إن من البيان كالسحر، وإن من الشعر كالحكم”.

تعليق على الرواية

هناك بعض الملاحظات حول هذه الرواية:.

  • أولاً: الرواية وردت عن طريق واحد فقط وهو ذيال بن الطفيل الذي لا يُعرف له رواية غيرها كما ذكرت المصادر المتاحة.
  • ثانياً: جميع الترجمات نقلت نفس الرواية تقريبًا ومصدرها الأساسي هو كتاب المرزباني (معجم الشعراء)، وهو ليس من كتب الحديث المعتمدة.
  • ثالثاً: استحسان النبي لشعر خفاف قد يكون محل نظر؛ إذ لم يرد بهذا النص إلا في (معجم الشعراء) ولم يثبت إعجاب النبي بشعر خفاف إلا هناك.
  • رابعاً: أبيات خفاف ليست بمستوى البلاغة التي تستدعي إعجاب النبي ﷺ وهو المعروف بفصاحته وبلاغته العالية.