الكلمة أحد من السيف، وأمضى من السهم، وأنفذ من الرصاص، وأفتك من السم. يقول الحق سبحانه وتعالى: «إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ».

الكلمة أمانة عظيمة ومسؤولية كبيرة. يقول الحق سبحانه وتعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّـهُ الْأَمْثَالَ لِلناس لَعَلَّهُمْ يَتَذَّكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِن قَرارٍ».

وقد حذر نبينا صلى الله عليه وسلم من خطورة الكلمة، فقال: «إنَّ الْعَبْد لَيَتَّكَلَّمُ بِالكَلِمةِ مَا يَعِي فيها يزِلُّ بها إِلَى النَّار أبعد مما بين المشرق والمغرب»، ويقول أيضًا: «إنَّ الْعَبْد لَيَقُولُ الكَلِمة مِن رِضوان اللَّـهِ تَعَالَى ما يُلقِي لها بالًا، يرفع الله بها درجات، وإنَّ الْعَبْد ليقول الكلمة مِن سخط الله تعالى لا يُلقي لها بالًا، يهوي بها في جهنم». والمقصود بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما يُلقِي لها بالًا» أي أنه لا يفكر في معناها ولا تبعاتها.

إن خطورة الكلمة الناتجة عن غفلة لا تقل أهمية عن تلك الناتجة عن قصد. فالعاقل هو من يفكر قبل أن يتحدث، بينما الأحمق هو من يتكلم دون تفكير. فالكلمة قد تؤدي إلى هلاك إنسان أو حتى مصير أمة. لذا يجب على العاقل ألا يتحدث أو ينقل أو يشارك في مواقع التواصل أو يسجل إعجابًا على كلام أو موضوع لم يتحقق من صدقه وصحته. كما يقول نبينا صلى الله عليه وسلم: «كَفى بالمرء كذبًا أن يُحدِّث بكل ما سمع».

وقد وضح لنا القرآن الكريم الطريق الصحيح بالتأكيد على ضرورة التحقق والتثبت مما ينقل إلينا من أخبار. يقول الحق سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَآءَكُمْ فاسقٌ بِنَبإٍ فتبينوا أَن تُصيبوا قَوْمًا بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين». فما بالكم إذا كان بث الشائعات كذبًا وافتراءً مقصودًا بهدف الإفساد في الأرض مع ادعاء المصلحة زورًا وبهتانًا؟

إن ذلك هو خلق المنافقين المفسدين في الأرض، حيث يقول الحق سبحانه: «ومِن النّاس مَن يُعجبكَ قَوْلُه في الحياة الدنيا ويشهد الله على ما في قلبه وهو ألَدُّ الخصام وإذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها ويهلك الحرث والنسل والله لا يُحب الفساد». وعندما قيل له اتق الله أخذته العزة بالإثم فحسبه جهنم ولبئس المهاد.

ولا شك أن الكذب هو أحد أبرز صفات المنافقين. يقول نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم: «آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان».

إن الشائعات المفتراة هي بلا شك كذب متعمد يزيد عليه قصد التضليل والإفساد. لذا يجب علينا التحري والتثبت وإمساك ألسنتنا عن الخوض فيما لا علم لنا به. فقد روى سيدنا معاذ بن جبل رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال له: «ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟» فأجابه معاذ: بلَى يا نبي الله، فأخذ بلسانه وقال: «كفَّ عليك هذا». فقال معاذ: يا نبي الله إنّا لمؤاخذين بما نتكلّم به؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ثكلتك أمّكَ يا معاذ! وهل يُكبُّ الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم».

الأستاذ بجامعة الأزهر.