لم يعد تنظيم العمالة المنزلية مجرد فكرة مطروحة للنقاش، بل أصبح مشروعًا حقيقيًا تعمل الدولة المصرية على إنجازه. وذلك تنفيذًا لتوجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي، التي ترجمتها وزارة العمل بقيادة الوزير حسن رداد إلى خطوات عملية، من خلال إعداد مشروع قانون متكامل، والاستعانة بالخبرات الدولية، وإطلاق حوار مجتمعي واسع يهدف إلى صياغة تشريع يحقق التوازن بين حقوق وواجبات جميع الأطراف.
وجاء اللقاء الذي جمع وزير العمل حسن رداد بوفد منظمة العمل الدولية، برئاسة إيريك أوشلان، بمقر الوزارة بالعاصمة الجديدة قبل أيام قليلة، ليؤكد أن الدولة انتقلت بالفعل من مرحلة التوجيهات إلى مرحلة التنفيذ. حيث أصبح ملف العمالة المنزلية أحد ملفات الإصلاح التشريعي التي تحظى باهتمام مباشر من القيادة السياسية، في إطار رؤية أشمل تهدف إلى بناء سوق عمل أكثر تنظيمًا وعدالة، وترسيخ مبادئ العمل اللائق، وتوسيع مظلة الحماية الاجتماعية لتشمل كل من يشارك في عملية البناء والإنتاج.
ويمثل مشروع قانون العمالة المنزلية محطة جديدة في مسار الإصلاح التشريعي الذي تشهده مصر. إذ يأتي استكمالًا للجهود التي تبذلها الدولة لتطوير بيئة العمل وتعزيز الحماية القانونية لمختلف فئات العمال. ويعتمد ذلك على قناعة راسخة بأن التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن العدالة الاجتماعية، وأن الاستثمار الحقيقي يبدأ بحماية الإنسان وصون كرامته.
ولسنوات طويلة، ظل العاملون في قطاع العمالة المنزلية يعملون في مساحة غير منظمة قانونيًا، رغم الدور المهم الذي يقومون به داخل المجتمع. وقد ترتب على ذلك غياب إطار واضح ينظم العلاقة بين العامل وصاحب العمل ويحدد الحقوق والواجبات وآليات التعاقد وتسوية المنازعات بما يحقق الاستقرار ويحفظ حقوق جميع الأطراف.
ومن هنا تأتي أهمية المشروع الجديد، الذي لا يهدف فقط إلى إصدار قانون، وإنما إلى بناء منظومة متكاملة لتنظيم هذا القطاع تشمل قواعد واضحة للتشغيل وآليات لتنظيم التعاقد وتعزيز التدريب والتأهيل والتوسع في الحماية الاجتماعية. كما يسعى لوضع إطار قانوني يضمن بيئة عمل آمنة ومستقرة ويحقق التوازن بين مصلحة العامل وصاحب العمل.
ويرى متابعون وخبراء أن هذا التحرك يعكس فلسفة الجمهورية الجديدة التي لا تقتصر على تنفيذ المشروعات القومية الكبرى وإنما تمتد إلى تطوير السياسات الاجتماعية والتشريعية التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة وخاصة الفئات التي ظلت لسنوات طويلة خارج مظلة التنظيم الرسمي. حيث يحمل تنظيم العمالة المنزلية أبعادًا اقتصادية مهمة، إذ يسهم في دمج قطاع واسع داخل الاقتصاد الرسمي ويحد من الممارسات غير المنظمة ويعزز ثقافة العمل اللائق ويرفع كفاءة سوق العمل بما ينعكس إيجابًا على الإنتاجية والاستقرار.
ويكتسب المشروع أهمية إضافية من خلال التعاون القائم بين وزارة العمل ومنظمة العمل الدولية. حيث تستفيد الدولة من الخبرات الدولية والتجارب المقارنة مما يساعد على إعداد تشريع يتوافق مع أفضل الممارسات العالمية مع الحفاظ في الوقت نفسه على خصوصية المجتمع المصري وطبيعة العلاقات الاجتماعية داخله.
ويؤكد هذا التعاون أن الدولة المصرية تتعامل مع ملف العمالة المنزلية بمنهج علمي ومؤسسي يوازن بين الخبرة الدولية والاحتياجات الوطنية. وخلال الفترة الماضية حرصت وزارة العمل على إدارة حوار مجتمعي مع مختلف الجهات المعنية والاستماع إلى الرؤى والمقترحات انطلاقًا من إيمانها بأن التشريعات الناجحة هي تلك التي تُبنى على التوافق وتراعي مصالح جميع الأطراف وهو النهج الذي تتبعه الوزارة في مختلف ملفاتها التشريعية والتنظيمية.
ويؤكد هذا المسار أن توجيهات الرئيس عبد الفتاح السيسي لا تتوقف عند حدود الإعلان وإنما تتحول إلى برامج عمل وسياسات تنفيذية وتشريعات على أرض الواقع. ويبرز في هذا السياق دور وزارة العمل بقيادة الوزير حسن رداد في ترجمة هذه التوجيهات إلى خطوات عملية تعكس حرص الدولة على تحديث منظومة العمل وتعزيز الحماية الاجتماعية وتحقيق المزيد من الاستقرار داخل سوق العمل.
حيث يحمل المشروع أيضًا رسالة إنسانية وحضارية مفادها أن قيمة العمل لا ترتبط بطبيعته وإنما بكرامة من يؤديه وأن كل من يعمل ويخلص في عمله يستحق الحماية القانونية والاحترام والحقوق التي تكفلها الدولة. وهي رسالة تتسق مع رؤية الجمهورية الجديدة التي تضع الإنسان في قلب عملية التنمية وتعتبر العدالة الاجتماعية أحد أهم مرتكزات بناء الدولة الحديثة.
ومع الاستمرار والتوسع في الحوار الاجتماعي والخطوات الجادة لسرعة إعداد مشروع القانون تبدو مصر على موعد مع خطوة تشريعية جديدة تضيف إلى سجل الإصلاحات التي تشهدها الدولة وتؤكد أن بناء الجمهورية الجديدة لا يقتصر على تشييد المدن والمصانع والطرق بل يمتد إلى بناء منظومة قانونية أكثر عدالة وإنصافًا تضمن أن تصل الحماية إلى كل عامل وأن تصبح الكرامة الإنسانية مبدأً راسخًا تُترجمه القوانين والسياسات إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.

