تتوالى ملامح المشروعات الاستيطانية الإسرائيلية، والتي تتجاوز الأهداف الجغرافية التقليدية في الضفة الغربية المحتلة، لتطال الأسس السياسية والقانونية التي أُقيمت عليها اتفاقيات أوسلو قبل نحو 33 عامًا.
في هذا السياق، كشفت صحيفة “يسرائيل هيوم” الإسرائيلية تفاصيل خطة أعدتها منظمات استيطانية تهدف إلى إحداث تغيير جذري في الواقع الجغرافي والسياسي للضفة الغربية المحتلة، من خلال إنشاء حوالي 100 نقطة استراتيجية داخل المناطق المصنفة “أ”، التي تخضع للسيطرة المدنية والأمنية الكاملة للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاقيات أوسلو.
تشير الخطة إلى تحول الخطاب الاستيطاني من المطالبة بفرض السيادة الإسرائيلية على المنطقة “ج” إلى استهداف المناطق التي تشكل جوهر الترتيبات الأمنية والسياسية لاتفاقيات أوسلو. هذا يعكس تصاعد الدعوات داخل اليمين الإسرائيلي المتطرف لإنهاء هذه الاتفاقيات عمليًا وفرض وقائع ميدانية جديدة.
من يقف وراء الخطة؟
ذكرت صحيفة “يسرائيل هيوم” أن الخطة وصلت إلى مسؤولين رفيعي المستوى في حكومة الاحتلال الإسرائيلي، بالإضافة إلى شخصيات مقربة من بنيامين نتنياهو. وقد أعدتها جهات استيطانية، من بينها “اتحاد المزارع الاستيطانية” الذي تأسس عام 2024 بمبادرة من مستوطنين صهاينة لتمثيل أصحاب المزارع الرعوية المنتشرة في أنحاء الضفة الغربية المحتلة.
كما شارك في إعداد الخطة “منتدى العودة إلى الوطن”، المعروف أيضًا باسم “عائدون إلى أرض الوطن”، والذي أسسه عدد من مستوطني الضفة الغربية بهدف إلغاء اتفاقيات أوسلو وتوسيع الاستيطان في جميع الأراضي المفتوحة بما في ذلك المناطق المصنفة “أ” و”ب”.
بموجب اتفاقيات أوسلو، تم تقسيم الضفة الغربية المحتلة إلى ثلاث مناطق: المنطقة “أ” التي تخضع للسيطرة الفلسطينية الكاملة، والمنطقة “ب” التي تخضع لإدارة مدنية فلسطينية مع سيطرة أمنية إسرائيلية، والمنطقة “ج” التي تقع تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة وتشكل حوالي 61% من مساحة الضفة الغربية المحتلة.
ماذا يريد القائمون على الخطة؟
وفقًا لجريدة “يسرائيل هيوم”، تحمل الخطة اسم “يوم التنفيذ” وتتضمن مواقع مقترحة داخل مدن فلسطينية رئيسية وتحظى بدعم وزير المالية الإسرائيلي المتطرف بتسلئيل سموتريتش.
يؤكد القائمون على هذه الخطة أن اختيار المواقع المقترحة لم يكن عشوائيًا بل استند إلى اعتبارات استراتيجية. ويقود تنفيذها ميدانيًا إلياف ليبي، أحد مؤسسي مشروع المزارع الاستيطانية في الضفة الغربية المحتلة.
يأمل أعضاء المنتدى أن تحظى الخطة بموافقة الحكومة الإسرائيلية، مؤكدين أن تنفيذها لا يتطلب إجراءات تشريعية مطولة بل قرارًا واحدًا من المجلس الوزاري الأمني المصغر (الكابينيت)، مما يضمن إحداث تغيير طويل الأمد في الواقع الأمني والسياسي بالضفة الغربية وفق رؤيتهم.
وفي السياق ذاته، تعاني التجمعات البدوية والرعوية الفلسطينية في الضفة الغربية أوضاعًا متدهورة نتيجة التوسع الاستيطاني والقيود المفروضة على السكان الفلسطينيين، مما أدى إلى تهجير عدد من هذه التجمعات وزيادة الانتهاكات بحقها.
وكشفت الهيئة المستقلة لحقوق الإنسان التابعة للسلطة الفلسطينية أن التوسع الاستيطاني والقيود العسكرية الإسرائيلية تسببت في تهجير 50 تجمعًا بدويًا ورعويًا فلسطينيًا منذ أواخر عام 2023.
وبحسب مسح أجري بالتعاون مع الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، تم تسجيل حوالي 300 انتهاك استهدفت الأفراد والمؤسسات في هذه التجمعات خلال شهر إبريل 2025.
كيف يعيش الفلسطينيون حالة مزدوجة من التهجير والهشاشة؟
ذكرت مديرة دائرة الرقابة على السياسات والتشريعات في الهيئة خديجة زهران أن بيانات المسح تكشف عن طبيعة سكانية فتية واضحة المعالم بالتجمعات البدوية والرعوية بالضفة الغربية. حيث تزيد الفئة العمرية دون العشرين عامًا على 57% من إجمالي السكان بينما تستحوذ الفئة العمرية بين صفر وأربع سنوات وحدها على 16.7% من المجموع. كما تتقارب نسبتا الجنسين مع تقدم طفيف للذكور.
وأشارت زهران إلى أن 53.7% من السكان يحملون صفة اللجوء مما يعني أن نصف هؤلاء يعيشون حالة مزدوجة من التهجير التاريخي والهشاشة الراهنة. وهذا يستوجب توفير استثمارات تنموية جدية وحماية قانونية وميدانية لهذه التجمعات وضمان وصولها للخدمات الأساسية وسط ما تواجهه من سياسات إسرائيلية تشمل هدم المنشآت وإصدار إخطارات الهدم والاستيلاء على الأراضي ومناطق الرعي وتقييد الحركة وتصاعد اعتداءات المستوطنين التي تهدد مصادر رزق السكان.
هل أصبح عنف المستوطنين سياسة ممنهجة؟
يشير تقرير سابق نشرته منظمة البيدر الفلسطينية للدفاع عن حقوق البدو إلى أنه تم تنفيذ 690 انتهاكًا بحق التجمعات البدوية والقرى الفلسطينية خلال شهر إبريل 2026 نفذتها قوات الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنون وسط تحذيرات بشأن سياسة تهجير قسري ممنهجة تستهدف الفلسطينيين وأراضيهم.
وقالت المنظمة إن ما تتعرض له التجمعات الفلسطينية لم يعد يندرج ضمن اعتداءات متفرقة بل يعكس سياسة منظمة تهدف لإعادة تشكيل الواقع السكاني والجغرافي بالضفة الغربية عبر التضييق على السكان ودفعهم للرحيل بالتوازي مع توسيع البؤر الاستيطانية وفرض وقائع ميدانية جديدة.
كيف تفرض إسرائيل وقائع استيطانية جديدة؟
رصد التقرير تسارع وتيرة الاستيطان الرعوي عبر نصب المستوطنين خياما وحظائر أغنام في مناطق متفرقة بمحافظات نابلس والخليل ورام الله والأغوار والقدس. وهذه خطوة إسرائيلية تستهدف السيطرة التدريجية على الأراضي الفلسطينية وعزل التجمعات البدوية ودفع سكانها للرحيل.
في يوم الأربعاء الموافق 17 يونيو 2026 صادقت الحكومة الإسرائيلية على خطط لبناء معهد ديني ضخم في قلب مدينة الخليل بالإضافة لبناء 576 وحدة استيطانية جديدة بالمستوطنات بالضفة الغربية المحتلة.
وقال سموتريتش: “إن هذه عملية ترسخ سيطرتنا على الأرض وتثبت حقائق واضحة تمنع إقامة دولة إرهاب عربية في قلب البلاد. كما أننا قمنا بإلغاء اتفاقيات الخليل بعد مصادقة المجلس على سحب صلاحيات التخطيط والبناء من بلدية الخليل.”.

