في قلب صعيد مصر، حيث يلتقي عبق التاريخ بنبض الحاضر، نشأ الصحفي المصري خالد محمود، المعروف بـ”الجنوبي”، بالقرب من مدينة الأقصر، التي شكلت ملامح وعيه الأولى. وبين المعابد العريقة والطبيعة التي تحتفظ بأصداء الحضارات القديمة، تشكل شغفه بالحكاية، فكانت تفاصيل المكان مصدر إلهام دائم له، وباتت القصص التي تزخر بها أرض الجنوب دافعا لأن يشق طريقه في عالم الصحافة. يؤمن الجنوبي بأن لكل حدث رواية تستحق أن تروى ولكل إنسان حكاية تستحق أن تُسمع.

بملامحه السمراء وابتسامته الهادئة ونوبات غضبه النادرة، تحولت الكتابة على يد خالد محمود “الجنوبي” إلى حكايات نابضة بالحياة تروي معاناة الفقراء وتدافع عن المظلومين دون خوف أو خضوع لرقابة ذاتية. يؤكد الجنوبي أن “الضمير المهني أسمى من أي قيد”.

في طفولته، كانت قرية الكرنك الضاربة بجذورها في أعماق التاريخ مكان نشأته وميلاد أحلامه. هناك اعتاد الجنوبي أن يحدق في الأفق حيث تمتزج ألوان الغروب بظلال الحضارات القديمة ليكتشف أن الأرض ليست مجرد جغرافيا بل روح نابضة تسكن الوجدان وحكاية تنتظر من يكتبها بحروف من الوفاء.

أحجار الكرنك تروي أسرار الماضي

في كل حجر من أحجار الكرنك كان الجنوبي يرى سرا من أسرار الماضي. وفي كل نسمة هواء كان ينصت لصدى أمنيات الأجداد بينما كانت أحلامه تحمل رسالة خفية من التاريخ تدعوه إلى صناعة حكايته الخاصة بين دفاتر الحياة والكلمات.

خلال مسيرته الصحفية، تنقل الجنوبي بين زوايا وتجارب متعددة؛ من “بولوتيكا” في جريدة الأحرار إلى “حواديت” و”عساكر ودساكر” في جريدة الأسبوع، فضلا عن رئاسته لقسم الشؤون العربية والدولية في العديد من الجرائد المصرية والعربية. كما كان له شغف عميق بالترجمة بوصفها نافذة لاختراق عقل الآخر.

رحلة إنسانية تبحث عما وراء الخبر

طوال سنوات الترحال بين الصحافة والإنسان لم تكن كتابات “الجنوبي” مجرد رصد للأحداث أو تسجيل للوقائع بل كانت رحلة إنسانية تبحث عما وراء الخبر. امتدت رحلته من حكاية مواطن بسيط في أقصى صعيد مصر إلى مأساة احتراق قطار الصعيد في ليلة عيد، وصولا إلى سيرة نضال قائد بحجم نيلسون مانديلا ورسائل حبه التي تبادلها مع زوجته ويني على مدى أكثر من 27 عاما خلف أسوار سجون جزيرة روبن آيلاند وبولسمور وفيكتور فيرستر. كما توقفت كتاباته عند لحظات إنسانية أخرى مثل ملامح الحزن في وجه الأميرة ديانا وهي تبحث عن مساحتها الخاصة بعيدا عن قيود قصر باكنجهام. يؤمن الجنوبي بأن “كل قصة هي وجه للإنسان” وأن كل حدث من أقصى الغرب إلى أبعد نقطة في شرق الأرض هو حكاية تستحق أن تروى.

الأميرة ديانا والمناضل الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا

يعتقد الجنوبي الذي بات محاطا بتلاميذ اقتربوا من سن الـ60 أن القصة الصحفية تتجاوز حدود الخبر لتصبح “حدوتة” تمس القلب الإنساني ولا تعترف بحواجز الجغرافيا أو الدين أو العرق. فالصحافة، وفق رؤيته، تبدأ من الحكاية وتنتصر للحق وتحترم الضمير وتضع الإنسان في صدارة كل شيء. هكذا آمن الجنوبي وهكذا ظل يكتب.

خيوط السودان عند أطراف أصابعه

لم تتوقف طموحات الجنوبي عند حدود العمل الصحفي بل امتدت لتجعله أحد أبرز المتخصصين في الشأن السوداني. يكشف مجرد الاستماع إليه عن معرفة عميقة بتفاصيل السودان وجغرافيته وتاريخه وتعقيداته السياسية والاجتماعية إذ يقدم المشهد السوداني كما لو كان فيلما وثائقيا ينقل المستمع من موقع المتلقي إلى قلب الأحداث.

ومع تراكم خبرته الصحفية والبحثية انتقل اهتمام الجنوبي بالشأن السوداني إلى مسار أكثر أكاديمية توج بحصوله هذا الأسبوع على درجة الماجستير بتقدير امتياز من قسم الأنثروبولوجيا بكلية الدراسات الأفريقية العليا في جامعة القاهرة عن بحث تناول دور المرأة السودانية في الحراك السياسي خلال انتفاضة ديسمبر 2018 ليضيف بذلك بعدا علميا لتجربته الصحفية الممتدة لنحو 35 عاما.

بين تجربة صحفي يحمل هموم الناس في كتاباته وباحث اختار أن يغوص في تعقيدات المجتمعات والتحولات السياسية يثبت الجنوبي أن الشغف الحقيقي لا يعرف حدودا؛ فالكلمة يمكن أن تكون جسرا بين الماضي والحاضر والصحافة يمكن أن تتحول إلى معرفة والحكاية تظل دائما الطريق الأقرب للوصول إلى الإنسان. وبعد 35 عاما داخل محراب مهنة البحث عن المتاعب يبقى رهانه الأول هو نفسه: أن تكتب القصص بصدق وأن تظل الإنسانية جوهر كل حكاية.