يا حبيبَ أبوك، يأتي على الإنسان وقتٌ يشعر فيه أن كل الأبواب قد أُغلقت، وأن الكلمات لم تعد قادرة على التعبير عما في قلبه. يحاول أن يبدو قويًا أمام الناس، لكنه حين يخلو بنفسه، لا يجد إلا دمعةً يخفيها، أو تنهيدةً يرفعها إلى السماء. وفي تلك اللحظات يظن أنه وحده، بينما تكون السماء أقرب إليه من أي وقتٍ مضى.

إن الله لا ينتظر منك أن تأتي إليه بعد أن تنتهي أزماتك، بل يدعوك أن تأتي إليه وأنت في قلبها. فهو لا يطلب منك كلماتٍ منمقة، ولا صلواتٍ طويلة، بل قلبًا يثق أنه يسمع، حتى وإن لم يجد اللسان ما يقوله. فالصرخة الخارجة من قلبٍ مكسور قد تكون عند الله أبلغ من آلاف الكلمات.

لهذا قال المرتل: «بِعَدْلِكَ نَجِّنِي وَأَنْقِذْنِي. أَمِلْ إِلَيَّ أُذْنَكَ وَخَلِّصْنِي.» لم يكن يتكلم مع إلهٍ بعيد، بل مع أبٍ يعرف أن أذنه تميل إلى أولاده كلما نادوه. وما أجمل أن ندرك أن الله لا يسمع أصواتنا فحسب، بل يسمع أيضًا أنينًا لم يخرج بعد من شفاهنا، ويرى دمعةً لم يلاحظها أحد.

وربما لا تأتي الاستجابة بالسرعة التي نتمناها، لكن هذا لا يعني أن الله غائب. فالذي يعمل في الخفاء كثيرًا ما يصنع أعظم أعماله بعيدًا عن أعيننا. وما يبدو لك صمتًا قد يكون إعدادًا لخلاصٍ لم تتخيله بعد. إن تأخر الله ليس إهمالًا، بل حكمة؛ وليس غيابًا، بل عملٌ هادئ لا تراه الآن، وستفهمه في وقته.

فإن ضاقت بك الأيام فلا تجعل اليأس يدفعك بعيدًا عن الله، بل دعه يدفعك إليه. اصرخ كما أنت وضع ضعفك بين يديه ولا تخجل من دموعك؛ لأن الأب لا يوبخ ابنه حين يبكي بل يضمه إلى قلبه.

تذكَّر دائمًا أن الذي يصرخ إلى الله لا يكون وحيدًا أبدًا. قد لا يرى اليد التي تسانده لكنها موجودة. وقد لا يفهم الطريق الذي يسير فيه لكن الراعي يعرفه خطوةً بخطوة. وما دام الله يسمع صرختك فلا يزال الرجاء حيًّا ولا تزال النهاية بين يديه. وسلام المسيح لقلبك.