دعني أختلف معك قليلًا أو كثيرًا، فكما قيل قديمًا: اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية، أو هكذا يجب أن يكون عقلاء البشر. أظن، وليس كل الظن إثمًا، أن أفضل ما في تقنيات شبكات التواصل الاجتماعي هو تقنية الحظر الإلكتروني المعروفة بـ”block” والإعدادات ذات الصلة!

بالفعل، يتيح لك الفضاء الإلكتروني، أينما كنت، التواصل مع الآخرين وتبادل الآراء. وقد تتوطد العلاقات بينكما دون أن تتلاقيا، فتتحولان إلى صديقين افتراضيين حتى إشعار آخر، وقد تصبحا في وقت لاحق صديقين واقعيين.

لكن كالعادة، هناك وجه آخر لمواقع التواصل الاجتماعي؛ حيث يستغلها بعض الأشخاص في الإساءة إلى الآخرين واستعراض قدراتهم السخية في الردح والتطاول. وهذا يحدث خاصة عندما يتنكر هؤلاء خلف أسماء مستعارة وصور غير حقيقية!

كما أن هناك فريقًا آخر ممن لا يتنكرون ولا ينتحلون الصفات، ولكنهم لا يقبلون رأيًا مخالفًا لرأيهم أو وجهة نظر تتعارض مع آرائهم. يطلقون العنان لأيديهم في الشطط والجنون والعبث، وشعارهم في الحياة: “من ليس معنا فهو ضدنا!”.

وأضف إلى هذين الفريقين فريقًا ثالثًا يخوض أصحابه في كل أمر حتى لو لم يفهموا شيئًا. هؤلاء لا تسعفهم العبارة ولا يتقنون صياغة كلمات قليلة متراصة دون أخطاء فادحة. ليس في هذا الكون أسوأ ممن جهل وعظم جهله ورضي عنه جهلُه!

كان يجب على مواقع التواصل الاجتماعي أن تمنح مستخدميها ثقافة قبول الآخر واحتواء الرأي المخالف والنقاش المهذب وتوسيع المدارك وإثراء العقل. غير أن هناك فئة غير قليلة ضاقت صدورها وعقولها وآفاقها، فأصبح أصحابها كالأفاعي السامة والحيّات القاتلة؛ ضررها أعظم من نفعها إن كان لها نفعٌ من الأساس!

هذه الفئة الخارجة عن حدود اللياقة والأدب جعلت من الفضاء الإلكتروني -على اتساعه- نفقًا ضيقًا مظلمًا؛ لذا كان استخدام خاصية “block” وتنويعاته منجاة منهم وإراحة للنفس وابتعاد عن أسباب التوتر والضيق. خاصة إذا كنت ممن لا يردون الإساءة بالإساءة ولا يروق لهم تلويث حساباتهم الشخصية بمفردات السب والشتم والكراهية!

إذا كان في السفر مثلًا سبع فوائد، فإن استخدام “block” يحمل سبعين فائدة؛ حيث يريح النفس وينهي الإزعاج والجدال العقيم ويحمي من التعليقات المسيئة ويمنع استنزاف الطاقة في نقاشات لا جدوى منها ويضع خطوطًا واضحة لمنع التواصل غير المرغوب فيه ويجعل الحساب الشخصي نظيفًا هادئًا خاليًا من التوتر.

إن حظر شخص سيئ الأدب وتفعيل خاصية “block” يتفق مع قول الله تعالى: “وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا”. ليس من الحكمة التلاسن والسجال والتفاحش والاختلاف الحاد عبر مواقع التواصل الاجتماعي. فالحياة أفضل بكثير باستخدام خاصية “block”.

في العالم الافتراضي.. هناك إجراءات عديدة ترحمك من تطفلات مَن لا تحب؛ ففضلًا عن خاصية “block” التي تعني طرد شخص ما من عالمك الافتراضي بحيث لا تراه ولا يراك وكأنك أغلقت بابك دونه، فإن هناك إعدادات أقل حدة ولكنها مهمة أيضًا مثل تحديد الخصوصية وتحديد مَن يمكنه التعليق على منشوراتك. هذه أيضًا إجراءات جادة تجعل الحياة أكثر لطفًا وهدوءً.

ليت العالم الواقعي يمتاز بسهولة العالم الافتراضي؛ حيث نطوي صفحات مَن لا نرغب فيهم أو نحدد مَن يتداخلون معنا أو يتطفلون علينا أو يتابعوننا بصمت أو خبث أو انتهازية بضغطة زر دون تداعيات أو أعباء مادية أو نفسية ثقيلة. لو كان هذا متاحاً لأصبح العالم الواقعي أكثر هدوءً وسلاماً ورقياً.