يشهد السودان في الآونة الأخيرة أزمة صحية وإنسانية متفاقمة، حيث تتداخل عوامل انتشار الأمراض المعدية مع تداعيات الجرائم المسلحة التي ترتكبها ميليشيات الدعم السريع وتدهور الخدمات الأساسية.

يبرز تفشي حمى الضنك في إقليم النيل الأزرق كأحد أبرز مظاهر هذه الأزمة، مع تسجيل آلاف الإصابات خلال فترة وجيزة، مما فرض ضغوطا كبيرة على المرافق الصحية وأثار مخاوف من اتساع نطاق الكارثة.

تتزامن هذه التطورات مع انتشار أمراض أخرى مثل الكوليرا والحصبة والملاريا، في ظل نقص حاد في الأدوية والمستلزمات الطبية وصعوبة وصول المساعدات إلى المناطق المتضررة. وقد حذرت تقارير إعلامية من تنامي حدة الإصابة بحمى الضنك في إقليم النيل الأزرق، مشيرة إلى إصابة أكثر من 3 آلاف سوداني بالمرض خلال الأسبوعين الماضيين في مدينة الدمازين عاصمة الإقليم.

أدت معدلات الإصابة العالية إلى اكتظاظ المستشفيات، فضلا عن تسجيل حالات وفاة، مما يمثل ضغطا على المرافق الصحية للإقليم الواقع جنوب شرق السودان.

وبحسب موقع “مايو كلينيك” العلمي المتخصص في الشؤون الطبية، تنتقل حمى الضنك عبر البعوض وتنتشر في المناطق الاستوائية وشبه الاستوائية من العالم.

يمكن أن تسبب حمى الضنك الخفيفة أعراض شبيهة بأعراض الإنفلونزا، بينما أحد أشكالها الشديدة – والمعروف باسم حمى الضنك النزفية – قد يؤدي إلى نزيف وانخفاض مفاجئ في ضغط الدم والوفاة.

صعوبة التعامل مع المرض

تجنب لدغات البعوض واتخاذ الخطوات اللازمة للحد من أعداد البعوض تعد أفضل طريقة لمنع العدوى في المناطق التي تشيع فيها حمى الضنك.

قد تتوفر لقاحات حمى الضنك للأشخاص الذين تتراوح أعمارهم بين 6 و60 عاما. يتكون اللقاح من جرعتين أو ثلاث جرعات حسب نوع اللقاح المستخدم، ويؤخذ على مدار عدة أشهر.

يزداد التعامل مع حمى الضنك صعوبة بسبب صعوبة التشخيص؛ حيث لا تظهر أي مؤشرات للمرض أو أعراض على كثير من الأشخاص عند الإصابة. وعندما تظهر الأعراض، قد تشخص بالخطأ كأعراض لأمراض أخرى مثل الإنفلونزا. عادة ما تبدأ الأعراض بالظهور بعد فترة تتراوح بين أربعة أيام و10 أيام من التعرض للدغة بعوضة معدية، وقد تؤدي إلى ارتفاع درجة حرارة الشخص المصاب إلى 40 درجة مئوية بالإضافة إلى أعراض أخرى مثل ألم العضلات أو العظام أو المفاصل والغثيان والقيء وألم خلف العينين وتورم الغدد والطفح الجلدي.

خطورة انتقال المرض جراء الهجرة والنزوح

تؤدي حركة الأفراد دورا غير مباشر في انتشار المرض عبر نقل الفيروس وليس المرض نفسه؛ إذ يمكن للمسافرين أو المهاجرين الحاملين للفيروس نقل العدوى إلى مناطق جديدة إذا تعرضوا للدغ من قبل البعوض المحلي.

تعتبر مخيمات النازحين أحد أسباب انتشار فيروس حمى الضنك، حيث توفر عوامل مثل المياه الراكدة وسوء الصرف الصحي بيئة خصبة لتكاثر بعوض الزاعجة المصرية الناقل للمرض.

تصاعد الحرب يزيد المخاطر

يشهد إقليم النيل الأزرق تصاعدا لافتا في العمليات العسكرية التي تشنها ميليشيات الدعم السريع؛ حيث بدأت الحركة الشعبية شمال المتحالفة مع تلك الميليشيات بشن هجمات مختلفة على الإقليم مصحوبة بضربات جوية عبر طائرات مسيرة في مدن قريبة من دولتي جنوب السودان وإثيوبيا.

كما استولت ميليشيات الدعم السريع على محافظة الكرمك بالنيل الأزرق التي يفصل بينها وبين دولة إثيوبيا جسر صغير لا يزيد طوله على أمتار.

توجه الحكومة السودانية اتهامات مباشرة لإثيوبيا بدعم ميليشيات الدعم السريع، حيث أكدت وزارة الخارجية السودانية “إطلاق طائرات مسيرة على الأراضي السودانية من داخل إثيوبيا” معتبرة ذلك عملا “عدائيا مستنكرا ومرفوضا” ويمثل انتهاكا سافرا لسيادة السودان وعدوانا صريحا عليه.

وحذرت الخرطوم السلطات الإثيوبية من مغبة هذه “الأعمال العدائية” وأكدت على حقها في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها بما يكفل لها التصدي لمثل هذه الاعتداءات بوسائل مختلفة.

انتشار الأمراض المعدية

تكشف التقارير الحديثة عن تصاعد الإصابات بالأمراض المعدية، مما يعكس عمق الكارثة الإنسانية ويستدعي تحركا دوليا عاجلا لاحتواء الأزمة وحماية المدنيين.

كشف تقرير لشبكة أطباء السودان أن أكثر من 200 ألف مواطن سوداني بينهم 20 ألف طفل غرب بارا يعانون من أوضاع مأساوية جراء انتشار الكوليرا والحصبة والنقص الحاد في الأدوية والمواد الغذائية.

تشير الأرقام إلى تسجيل أكثر من 100 حالة إصابة بالحصبة وسط الأطفال في عدد من المراكز الصحية خلال الفترة القصيرة الماضية بالإضافة إلى 45 حالة إصابة بالكوليرا وسط تراجع حاد في الخدمات الصحية وانعدام الإمدادات الطبية الأساسية. كما يواجه 1.5 مليون طفل خطر الإصابة بالملاريا بحسب منظمة الأمم المتحدة للطفولة (يونيسف).

تزايد المخاوف من كارثة صحية سودانية

بحسب التقرير، فإن كثيرا من المرافق الصحية تعمل حاليا دون أي إمدادات طبية منها “مستشفى طيبة الزعتري ومستشفى أم كريدم ومراكز صحية الشقيلة أولاد عوانة وأم سعدون الناظر وأم ضوبان والمرة والحاج اللين ودميرة عبدو والكوكيتي والقاعة وأم هجليج ودويد والشوق وأم عشيرة والنبدة”.

استمرار انقطاع الإمدادات الطبية والغذائية ومنع القوات المسيطرة على المنطقة دخول الإمدادات ينذر بكارثة إنسانية وصحية قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات الوفيات خاصة بين الأطفال والفئات الأكثر هشاشة.

شدد التقرير على ضرورة التدخل الفوري والعاجل لإيصال الأدوية والمحاليل الوريدية واللقاحات والمستلزمات الطبية بجانب توفير الغذاء والمياه الآمنة لضمان احتواء تفشي الأمراض وإنقاذ حياة آلاف المدنيين في المنطقة.