أوضح الدكتور علي جمعة مفتي الجمهورية الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أن الشرع الشريف لم يمنع من الذكر والدعاء في الصلاة بألفاظ لم ترد في الكتاب والسنَّة، ولا يُعدُّ هذا من قبيل البدعة ما دامت الألفاظ لا تخالف أصول الشرع في شيء، وهذا ما عليه جماهير العلماء من أصحاب المذاهب.
حكم الدعاء والذكر في الصلاة بغير المأثور
وأضاف جمعة عبر حسابه الشخصي بموقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، أن المذاهب الفقهية المتبوعة اتفقوا فيما هو المعتمد عندهم على أنه لا يشترط في الصلاة الالتزامُ بنصوص الدعاء الواردة في الكتاب والسنة، وأن ذلك ليس واجبًا ولا متعينًا، وإن كان هو الأفضل إذا وافق ذكر اللسان حضور القلب، وأنه يجوز للمصلي أن يذكر ويدعو في صلاته بغير الوارد مما يناسب الوارد ولا مخالفة فيه.
كما اتفقوا على أن كل ما لا يجوز الدعاء به خارج الصلاة لا يجوز الدعاء به داخلها، غير أنهم اختلفوا في موضوع الدعاء؛ هل يجوز أن يكون بما لا يناسب المأثور؟ وهل يجوز أن يكون بملاذِّ الدنيا وشهواتها مما لا يُقصَد به القربة.
وأوضح أن الذي عليه جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية والحنابلة في قول: أنه يجوز للمسلم أن يدعو في صلاته بما شاء مِن حوائج الدنيا والآخرة، مع اتفاقهم على أفضلية الدعاء المأثور في الصلاة على غيره إذا فهم المصلي معناه، وكان حاضر القلب عند الدعاء به.
واستثنى الحنابلة في المعتمد عندهم الدعاءَ بغير القربة مما يقصد به ملاذُّ الدنيا وشهواتها بما يشبه كلام الآدميين وأمانيَّهم، وفي رواية عندهم: أن ذلك يجوز، وأجازوا ما عدا ذلك ولو لم يُشبِه ما ورد، واقتصر الحنفية على جواز الدعاء بما يناسب المأثور، دون ما يشبه كلام الناس؛ فلا يجوز الدعاء به عندهم، وتفسد به الصلاة، والمأثور عندهم أعم من أن يكون مرفوعًا أو غير مرفوع.
قال الحافظ ابن حجر في “فتح الباري” (2/ 321، ط. دار المعرفة) في شرح قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم فيما يدعو به المصلي بعد التشهد: «ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو»: [واستُدِلَّ به على جواز الدعاء في الصلاة بما اختار المصلي من أمر الدنيا والآخرة، قال ابن بطَّال: خالف في ذلك النخعي، وطاوس، وأبو حنيفة؛ فقالوا: لا يدعو في الصلاة إلا بما يوجد في القرآن، كذا أطلق هو ومن تبعه عن أبي حنيفة، والمعروف في كتب الحنفية: أنه لا يدعو في الصلاة إلا بما جاء في القرآن أو ثبت في الحديث، وعبارة بعضهم: ما كان مأثورًا، قال قائلهم: والمأثور أعم من أن يكون مرفوعًا أو غير مرفوع، لكن ظاهر حديث الباب يَرُدُّ عليهم، وكذا يَرُدُّ على قول ابن سيرين: لا يدعو في الصلاة إلا بأمر الآخرة، واستثنى بعض الشافعية ما يقبح من أمر الدنيا؛ فإن أراد الفاحش من اللفظ فمحتمل، وإلا فلا شك أن الدعاء بالأمور المحرمة مطلقًا لا يجوز] اهـ.
وقال الإمام المرغيناني الحنفي في “الهداية شرح البداية” (ص: 52، ط. المكتبة الإسلامية): [(ودعا بما شاء مما يشبه ألفاظ القرآن والأدعية المأثورة)؛ لما روينا من حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «ثم اختَرْ مِنَ الدعاء أطيبَه وأعجبَه إليك»، ويبدأ بالصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليكون أقرب إلى الإجابة، (ولا يدعو بما يشبه كلام الناس)؛ تحرزًا عن الفساد، ولهذا يأتي بالمأثور المحفوظ، وما لا يستحيل سؤاله من العباد كقوله: “اللهم زوجني فلانة” يُشبِه كلامهم، وما يستحيل كقوله: “اللهم اغفر لي” ليس من كلامهم] اهـ.
وجاء في موطأ الإمام مالك رحمه الله تعالى (1/ 299-300، ط. دار الغرب): [قال يحيى: وسُئل مالك عن الدعاء في الصلاة المكتوبة؟ فقال: لا بأس بالدعاء فيها. وحدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان يدعو فيقول: «اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ، وَتَرْكَ الْمُنْكَرَاتِ، وَحُبَّ الْمَسَاكِينِ، وَإِذَا أَرَدْتَ فِي النَّاسِ فِتْنَةً فَاقْبِضْنِي إِلَيْكَ غَيْرَ مَفْتُونٍ». وحدثني عن مالك أنه بلغه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «مَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى هُدًى إِلَّا كَانَ لَهُ مِثْلُ أَجْرِ مَنِ اتَّبَعَهُ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أُجُورِهِمْ شَيْئًا، وَمَا مِنْ دَاعٍ يَدْعُو إِلَى ضَلالَةٍ إِلا كَانَ عَلَيْهِ مِثْلُ أَوْزَارِهِمْ لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَوْزَارِهِمْ شَيْئًا». وحدثني عن مالك أنه بلغه أن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: “اللهم اجعلني من أئمة المتقين”. وحدثني عن مالك أنه بلغه أن أبا الدرداء رضي الله عنه كان يقوم من جوف الليل، فيقول: “نامت العيون، وغارت النجوم، وأنت الحي القيوم”] اهـ.
قال الحافظ ابن عبد البر المالكي في “الاستذكار” (2 /437): [وأما قول مالك: “لا بأس بالدعاء في الصلاة المكتوبة” فهو أمر مُجمَع عليه إذا لم يكن الدعاء يُشبِه كلامَ الناس، وأهل الحجاز يُجيزون الدعاء فيها بكل ما ليس بمأثم من أمور الدين والدنيا] اهـ.
وقال الإمام الباجي في “المنتقى شرح الموطأ”: [وهذا كما قال لا بأس بالدعاء في المكتوبة وغيرها من الصلوات؛ يدعو بما شاء من أمر دينه ودنياه؛ سواء كان ذلك من القرآن أو غيره] اهـ.

