تناول القرآن الكريم أحكام الطلاق في عدة مواضع، وكان الموضع الأول في سورة البقرة، حيث أوردت السورة عددًا من الآيات التي تعالج مختلف جوانب الطلاق والإيلاء وأحكام العدة والحقوق الزوجية. تهدف هذه الأحكام إلى تنظيم العلاقة الزوجية بما يحفظ حقوق الطرفين ويحقق العدالة والإنصاف. في السطور التالية، سوف نتناول آداب الإسلام بين الرجل والمرأة بعد الطلاق أو الخلع.

آداب ما بعد الطلاق

أشار القرآن الكريم إلى أنه في حالة اختيار الزوج الطلاق بعد المرة الأولى أو الثانية، ولم يراجع زوجته حتى بانت منه، فعليه الالتزام بالمعاملة بالإحسان والإرفاق بها. وهذا من بعض الآداب الشرعية المتعلقة بالطلاق. قال الله تعالى: {ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئًا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله}. فلا يصح للزوج أن يأخذ شيئًا مما آتاها من مال؛ لأن ذلك يعد ظلمًا لا عدل فيه.

والمراد بقوله: {مما آتيتموهن} هو ما يتعلق بالمهور، وإن شاركها في الحكم سائر أموالهن إما لرعاية العادة أو للتنبيه على أنه إذا لم يحل لهم أن يأخذوا مما أعطوهن مقابل البضع عند خروجهم عن ملكهم، فلأن لا يحل لهم أن يأخذوا مما لا يتعلق بالبضع أولى وأحرى.

لكن الشارع استثنى من الحكم السابق الذي هو النهي عن أخذ شيء مما أعطى الزوج لزوجته من المهور وغيرها حالة واحدة وهي حالة افتداء الزوجة من زوجها، وهو ما يسمى بالخلع. قال الله تعالى: {إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ}. وحدود الله هي حقوق النكاح وحُسن المعاشرة وعدم النشوز أو البغض والإحصان. فإذا خاف الزوج أنه لن يقيم حدود الله وعلم أن النشوز سيكون منه، وهو السبب في ذلك، أو أنه سوف يعتدي عليها ويُسيء معاملتها، فعليه أن يسرحها دون أن يأخذ شيئًا مما آتاها.

وإذا خافت الزوجة أنها لن تقيم حدود الله وأن النشوز سيكون منها، أو أنها تبغضه وهو يحبها ويقوم بحقوق الزوجية ولكنه هو السبب في ذلك، وتعتقد أنها لا تستطيع إصلاح الأمر، فعندها تطلب الخلع.

حق المرأة في الخلع وبعض أحكامه

جاء ما يسوغ الأخذ من المال أو العطايا التي يعطيها الزوج لزوجته بعد الطلاق في حالة الخلع. يقول الله تعالى: {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.

وتتحقق هذه الحال بسببين:.

  • الأول: أن تكون المرأة ناشزًا عاصية أو كارهة. كتلك المرأة التي ذهبت إلى رسول الله ﷺ تقول: “والله ما أعتب على ثابت في دين ولا خلق، ولكني أكره الكفر في الإسلام؛ لا أطيقه بغضًا!” فقال لها النبي ﷺ: “أتردين عليه حديقته؟” – وهي المهر الذي أمهرها – قالت: نعم. فأمره بأن يأخذ منها حديقته ولا يزداد؛ ففرق رسول الله ﷺ بينهما بطريق الخلع، ويقال إنه كان أول خلع في الإسلام.
  • الثاني: أن يكون بالمرأة عيب مستحكم ولا يمكن معه القيام بالحقوق الزوجية. فإن أخذ المال في هذه الحال يكون جائزًا وإن لم يكن نشوز ولا عصيان؛ ولذلك سوغ الحنابلة والمالكية أن يطلب الرجل من القاضي التفريق على أن يأخذ ما أعطى أو بعض ما أعطى، وإن لم يعتبر التفريق خلعًا.

وضمير الخطاب في قوله {فَإِنْ خِفْتُمْ} موجه لجماعة المؤمنين وهذا أولى بالاعتبار. فإن على من يعرف ما بين الزوجين أن يتدخل بالنصح والإرشاد وبيان حكم الله. ولذلك كان الخطاب عامًا لجماعة المؤمنين بقوله {فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ} ونفي إثم الأخذ خاصًا بالزوجين؛ ولذا قال: {فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ}.