التنظيم أراد إدارة مصر كجماعة.. ولم يُدرك أنه أمام دولة

خرجنا في 30 يونيو لا نحمل سلاحًا ولا نرفع شعار حزب، بل حملنا استمارة ورقية كانت في حقيقتها صرخة شعب بأكمله رفض أن تُسرق دولته كنا نؤمن أننا أمام لحظة فارقة لن تتكرر، وأن الصمت في مواجهة ما كانت تفعله جماعة الإخوان بمصر كان خيانة للوطن قبل أن يكون موقفًا سياسيًا
لم أكن أتخيل حين أعلنت البيان الأول لـ «تمرد» أن هذه الحركة ستتحول في غضون أسابيع من فكرة شبابية إلى ملك الشعب المصري بكل فئاته وأطيافه، فأول من وقّع على استمارتنا كان سائق تاكسي والذي قال لي ببساطة: «أنا أول واحد معاكم وربنا معاكم»، فأيقنت يومها أن مصر لن تُهزم
هذه الكلمات يرويها حسن شاهين، أحد مؤسسي حركة تمرد الشعبية وعضو تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين في حديثه لـ «أحداث اليوم»، كاشفًا عن كواليس التحركات الشعبية لإنقاذ مصر من مخطط إرهابي كاد أن يفتك بالهوية الوطنية وشعبها الحر
وإلى نص الحوار:
– كأحد مؤسسي حركة تمرد والشرارة الأولى لثورة 30 يونيو، دعنا نتحدث عن السيناريوهات التي كنت تراها ممكنة لو لم تحدث الثورة؟
في تقديري، أخطر ما كان يهدد مصر وقتها لم يكن مجرد خلاف سياسي، وإنما اتساع حالة الاستقطاب إلى درجة تهدد تماسك الدولة والمجتمع كنت أرى أن استمرار الأزمة دون مخرج سياسي كان يمكن أن يقود إلى صدامات أوسع، ويضعف مؤسسات الدولة، ويجعل مصر تدخل مرحلة من عدم الاستقرار يصعب الخروج منها وذلك لأننا كنا نواجه خوارج العصر الحديث بمسمى جماعة الإخوان لذلك رأيت أن تحرك المصريين في 30 يونيو كان، من وجهة نظري، لحظة فارقة غيّرت مسار الأحداث
– كيف تحولت استمارة تمرد من فكرة شبابية إلى أكبر استفتاء شعبي واقعي في تاريخ مصر الحديث؟
السر لم يكن في الورقة، وإنما في الناس فالاستمارة لم تصنع الغضب، بل الغضب هو الذي منحها قيمتها حين حملها الشباب إلى الشوارع، كانوا يحملون معها صوت ملايين المصريين الذين كانوا يبحثون عن وسيلة يعبرون بها عن موقفهم
وفي لحظة ما، لم تعد الاستمارة ملكًا لمؤسسي تمرد، بل أصبحت ملكًا للشعب كله ولهذا لم تكن التوقيعات مجرد أرقام، بل كانت رسالة سياسية واجتماعية قالت إن إرادة الناس لا يمكن تجاهلها
وهذا هو ما أكدت عليه أثناء إلقائي البيان الأول لتمرد والإعلان عن تأسيسها وأكدت وقتها أن تمرد ليست حركة سياسية ذات لون سياسي وطابع أيديولوجي ولكن هي حركة وطنية جامعة لكل المصريين بجميع فئاتهم واختلافاتهم
– ما الذي جعل المواطن يوقع برقم بطاقته القومية رغم المخاوف؟
لأن الخوف على الوطن، في نظر كثير من المصريين، أصبح أكبر من الخوف على أنفسهم كنت أرى مواطنين يقولون: «إذا كان هذا التوقيع سيحمي مصر، فأنا مستعد أن أكتب اسمي كاملًا»
هذه الثقة لم تُبنَ في يوم واحد بل جاءت لأن الناس شعرت أن تمرد لا تتحدث باسم حزب أو تيار وإنما تعبر عن حالة موجودة في الشارع ولذلك تحولت الاستمارة إلى عقد ثقة بين المواطن وفكرته عن مستقبل بلده
وهذا ما أكده لي أول مواطن مصري يقوم بالتوقيع على الاستمارة وكان يعمل سائق تاكسي حيث قال لي وقتها: «أنا أول واحد معاكم في مصر وربنا معاكم ونخلص ونرجع مصر»
وقتها أيقنت أن تمرد بالفعل أصبحت هي بنت المصريين وهم من سيدافعون عنها
– ماذا لو لم تظهر حركة تمرد؟
لا أزعم أن التاريخ يصنعه أشخاص أو حملة بعينها وما أؤمن به أن تمرد كانت إحدى أدوات التعبير عن حالة كانت موجودة بالفعل في المجتمع
ربما كانت ستظهر وسيلة أخرى وربما كان المشهد سيتخذ مسارًا مختلفًا لكن المؤكد بالنسبة لي أن حالة الاحتقان كانت تحتاج إلى منفذ سياسي وسلمي يعبر عنها وتمرد أدت هذا الدور في تلك اللحظة
وجاءت تمرد بوعد حق من الله ونصرة للشعب المصري كما قال الله تعالى: «لَنَنصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ»
– ماذا لو لم تنحز القوات المسلحة لإرادة الشعب في 30 يونيو؟
من وجهة نظري كانت البلاد تمر بمرحلة شديدة الحساسية وكان الجميع يدرك خطورة استمرار الأزمة أعتقد أن وجود مؤسسات دولة قادرة على التعامل مع هذا الظرف ساهم في تجنب سيناريوهات أكثر تعقيدًا وأوجد مسارًا مختلفًا عما كانت تخشاه قطاعات واسعة من المصريين آنذاك
وهذا ما استشعرت به القوات المسلحة المصرية وكان بعث رسائل الطمأنينة للمصريين هو الهدف الأول وهو ما أكده بيان مهلة الـ 48 ساعة الذي أصدرته القوات المسلحة وقت ذلك وهو ما جعل المصريين لا يهابون الخوف ولا تهديدات الجماعة الإرهابية ورأوا أن مصر تستحق أن نضحي من أجلها
– كيف كان سيبدو وضع العلاقات الإقليمية والدولية لمصر لو استمر المسار السابق؟
من الصعب الجزم بما كان سيحدث في سيناريو افتراضي ولكن الشكل متوقع فتلك الجماعة أرادت أن تتعامل مع الدولة بنفس طريقة إدارة الجماعة ولم يتسن لهم أنهم يقودوا دولة بحجم مصر لكن ما أستطيع قوله هو أن مصر بعد 30 يونيو دخلت مرحلة مختلفة في علاقاتها الإقليمية والدولية وسعت إلى استعادة دورها التقليدي في محيطها العربي والإفريقي والمتوسط
وبرأيي كان الحفاظ على استقرار الدولة عنصرًا أساسيًا في هذا المسار
– لو لم تقم الثورة كيف كان سيتأثر النسيج المجتمعي؟
أكثر ما كان يقلقني وقتها هو اتساع حالة الاستقطاب عندما ينقسم المجتمع بهذه الحدة تصبح إعادة بناء الثقة بين أبنائه أكثر صعوبة لذلك كنت أرى أن أي مخرج يخفف هذا الاحتقان ويحافظ على الدولة والمجتمع معًا كان ضرورة وطنية
لأن جماعة الإخوان قامت على بث الطائفية بين أفراد المجتمع المصري وزرع الفتن المجتمعية وحاولوا تصوير محمد مرسي باعتباره عمرو بن العاص العصر الحديث الذي جاء ليحرر مصر من الوثنية
– هل كانت مصر مهددة بسيناريوهات شبيهة بما شهدته بعض دول الجوار؟
ما كنت أخشاه هو أن يطول أمد الأزمة وأن تدخل البلاد في دوامة من عدم الاستقرار وما أؤمن به هو أن الحفاظ على الدولة المصرية كان أولوية قصوى بالنسبة لقطاعات واسعة من المصريين في تلك المرحلة وما شهدناه وما حدث للدول المجاورة يؤكد أننا كنا ولازلنا أمام مشروع تقسيم للمنطقة بشكل جديد ومصر كانت مستهدفة بشكل رئيسي ولكن مصر دولة كبيرة ممتدة الجذور ومن الصعب أن تقع فيما وقع فيه آخرون
– كيف تنظر إلى أثر 30 يونيو على هوية الدولة المصرية بعد مرور السنوات؟
بالنسبة لي ستظل 30 يونيو لحظة عبّر فيها ملايين المصريين عن رؤيتهم لمستقبل دولتهم قد تختلف القراءات السياسية حول تلك المرحلة لكن ما لا يختلف عليه أحد أنها كانت نقطة تحول كبرى في تاريخ مصر الحديث وأنها فتحت مسارًا جديدًا ما زالت البلاد تعيش آثاره حتى اليوم
لقد خرجت في 30 يونيو ودعونا الشعب للوقوف والخروج معنا وواجهت تهديدات الإخوان وإرهابهم حين قاموا بإشعال النيران في مقر الحركة وأنا بداخله ولكن حماية أصوات المصريين كانت هي الغاية وقدرنا الله على حملها وانتصرت كلمة المصريين وانتصرت تمرد وأصبحنا الآن نرى مصر التي كنا نحلم بها وخرجنا من أجلها.