حسام أبو صفية، مدير مستشفى كمال عدوان في شمال قطاع غزة، تحول من إنقاذ الأرواح إلى معتقل بعيد عن مرضاه. تعكس قصة هذا الطبيب الفلسطيني جانباً مؤلماً من معاناة الطواقم الطبية خلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة، حيث لم يعد السؤال يدور حول الأرواح التي أنقذها الأطباء، بل حول مصير أولئك الذين واصلوا أداء رسالتهم في أكثر الظروف قسوة.
في مفارقة تعكس مأساة الواقع الفلسطيني، لم يعد مشرط أبو صفية مجرد أداة جراحية تنقذ الحياة، بل أصبح شاهداً على رحلة طبيب حمل رسالة الطب بين يديه لسنوات، قبل أن ينتقل من غرف العلاج ونداءات المرضى إلى خلف القضبان وصمت الزنازين.
لم يحمل أبو صفية سوى علمه ولم يعرف سوى طريق تخفيف الألم وإنقاذ من يمكن إنقاذه. لكن وسط حرب أنهكت الإنسان والمكان، تحولت مهنة الطبيب إلى ثمن يدفعه من اختار البقاء بجانب مرضاه. تبقى قصته معلقة بسؤال إنساني مؤلم: كيف يجد من أمضى عمره في إنقاذ الآخرين نفسه يوماً مضطراً للدفاع عن حقه في أن يكون إنساناً؟
ومن بين تفاصيل القصة، جاءت صورة أبو صفية عبر شاشة المحكمة العليا الإسرائيلية لتكشف فصلاً جديداً من معاناته؛ لم تكن الصورة مجرد لقطة عابرة، بل لحظة اختزلت شهوراً من الغياب والقلق والأسئلة التي طاردت عائلته منذ اعتقاله. ظهر الطبيب الفلسطيني بملامح مختلفة عما عرفه به زملاؤه ومرضاه؛ صورة أعادت إلى الواجهة قصة طبيب بقي في موقعه بين مرضاه في أصعب اللحظات، قبل أن تظهر صورته أسيراً في المحكمة الإسرائيلية العليا بحثاً عن عدل لن يتحقق.
أبو صفية منهك ونحيف تبدو عليه علامات التعذيب
بدا أبو صفية منهكاً ونحيلاً بشكل واضح مقارنة بما كان عليه قبل اعتقاله عقب اقتحام جيش الاحتلال الإسرائيلي لمستشفى كمال عدوان في 27 ديسمبر 2024؛ كانت الصورة مدمرة لعائلته، ومنهم نجله إلياس الذي قال في تصريحات لمجلة “972+” الإسرائيلية ذات التوجهات اليسارية: بكينا عندما رأينا صورة والدي الأخيرة خلال محاكمته، لم نر وجهه فقط، بل رأينا علامات واضحة للتعذيب.
وراء هذه الصورة التي اختزلت شهوراً من الغياب تقف سيرة طبيب بدأت حكايته قبل سنوات طويلة من الحرب؛ حيث ولد أبو صفية عام 1973 في مخيم جباليا شمال قطاع غزة لعائلة تعود جذورها إلى بلدة حمامة في قضاء عسقلان التي هُجرت عام 1948.
اختار أبو صفية طريق الطب وتخصص في طب الأطفال وحديثي الولادة قبل أن يصبح واحداً من أبرز الأطباء العاملين في القطاع الصحي بغزة؛ وخلال حرب الإبادة الإسرائيلية على غزة كان اسم أبو صفية حاضراً بوصفه أحد الأصوات الطبية التي نقلت واقع المستشفيات تحت القصف والحصار ليمنحه زملاؤه لقب “أبقراط غزة” إشارة إلى ارتباط اسمه بمهنة الطب والتمسك برسالتها.
قبل اعتقاله الأخير أواخر سبتمبر 2024 ألقت سلطات الاحتلال القبض عليه خلال اقتحام مستشفى كمال عدوان وإجبار الكادر الطبي على المغادرة. وبعد الإفراج عنه تلقى نبأ استشهاد طفله إبراهيم برصاص الاحتلال الإسرائيلي في 26 أكتوبر 2024.
وفي 23 نوفمبر 2024 أُصيب أبو صفية جراء إلقاء طائرة مروحية إسرائيلية قنبلة على المستشفى أدت إلى إصابته بتمزق في الأوردة والشرايين.
حبس انفرادي وحرمان من العلاج
يقول إلياس: من المؤلم جداً أن ترى والدك الذي كرس حياته لإنقاذ الأرواح وعلاج المرضى بهذا الشكل. لا أعرف كيف أصف ذلك. ولا ندري ما الذي يتعرض له بعيداً عن الكاميرات؟ إذا كان هذا ما رأيناه علناً فماذا يحدث خلف الزنازين المغلقة؟
أما خلف جدران السجون فتتحدث المنظمات الحقوقية عن ظروف قاسية يعيشها أبو صفية وأطباء فلسطينيون آخرون تشمل نقص الغذاء والحرمان من الرعاية الطبية ومعاناة لا تنتهي من الاعتداءات الجسدية المتكررة؛ حيث جرى اعتقاله بموجب “قانون احتجاز المقاتلين غير الشرعيين” الذي يتيح سجن الفلسطينيين دون تهمة أو محاكمة بزعم “مشاركتهم في نشاط عدائي”.
ويقول ناصر عودة محامي أبو صفية مُشيرًا إلى فصل آخر من المأساة: يعاني أبو صفية من أمراض مزمنة ولا يتلقى الأدوية اللازمة له ولا توفر له إدارة سجون الاحتلال العلاج الطبي المناسب؛ لقد نقلوه إلى الحبس الانفرادي.
يضيف عودة: يبدو أن قرار عزل أبو صفية كان عقابياً وجاء بعد تقديم استئناف على حبسه، حيث تقتصر الإجراءات القانونية المتاحة للطعن على احتجازه لعدم وجود تهم رسمية أو لائحة اتهام. وقد جرى منع الزيارة عنه سواءً من أفراد عائلته أو أعضاء اللجنة الدولية للصليب الأحمر.
فقد أبو صفية 20 كيلو جراما من وزنه
يتعرض أبو صفية لـ”اعتداء وحشي ممنهج” بشكل يومي داخل سجن راكيفيت الإسرائيلي سيء السمعة والذي يوصف بـ”المسلخ البشري”.
تكشف منظمة أطباء من أجل حقوق الإنسان في “إسرائيل” أن سلطات الاحتلال اعتقلت مئات العاملين الطبيين الأساسيين الفلسطينيين ما أدى فعلياً إلى شل نظام صحي هش أصلاً يتعرض للتدمير المستمر، مشيرةً إلى أن الأطباء الفلسطينيين المعتقلين معزولون تمامًا عن العالم الخارجي.
ويقول مدير قسم الأسرى والمعتقلين في المنظمة نجي عباس لمجلة “972+”: تمكن محامي المنظمة خلال الأسابيع الستة الماضية من لقاء عشرة أطباء معتقلين بينهم أبو صفية؛ تكشف شهاداتهم تعرضهم للإساءة والتجويع والإهمال الطبي.
وأضاف عباس بأن جميعهم أفادوا بحرمانهم من العلاج الطبي وأنهم يعانون إصابات ناجمة عن العنف وجميعهم اشتكوا من الجوع وفقد كل طبيب أكثر من 20 كيلو جراما من وزنه!
إلى أين تتجه فصول المأساة؟
تبقى قصة أبو صفية مفتوحة على أسئلة أكبر تتجاوز مصير طبيب واحد؛ فهي تختصر حكايات أطباء وجدوا أنفسهم وسط حرب قاسية بين واجب إنقاذ الحياة ومخاطر دفع ثمن هذا الواجب.
وخلف كل عنوان وكل صورة تبقى هناك حكايات إنسان اختار أن يكون حيث يحتاج إليه مرضاه يحمل أدوات الطب بدلاً عن السلاح ويتمسك برسالة لم تتغير بأن تكون حياة الإنسان هي الأولوية مهما كانت الظروف.
وربما تلخص الصحفية والمحللة الدولية هالة جوراني ثقل هذه القصة بقولها:”إذا كان التقرير المقبل عن أبو صفية سيتحدث عن وفاته داخل السجن فسنكون قد عرفنا منذ البداية إلى أين كانت تتجه القصة”.

