لعل وعسى.
الأربعاء 12/أغسطس/2026 – 08:03 ص .
في إطار استكمال مسار الدولة لتخفيف الأعباء المالية عن الممولين، وتبسيط الإجراءات، وبناء جسور الثقة مع مجتمع الأعمال والمستثمرين لتنشيط الاقتصاد المصري، أصدر الرئيس السيسي حزمة من التسهيلات الضريبية “الثالثة” مع الموافقة على مقترح لإصدار “الصكوك الضريبية”. نرى أن هذه الصكوك ستكون أداة مالية مبتكرة تتيح للحكومة تحويل الإيرادات الضريبية المستقبلية المتوقعة إلى سيولة نقدية فورية، حيث يقوم الممولون والشركات بشرائها لتمويل الخزانة العامة مسبقًا، مقابل الحصول على عائد مالي مجزٍ وإمكانية خصم قيمة هذه الصكوك لاحقًا من التزاماتهم الضريبية المستقبلية.
هذه القرارات الاقتصادية الرئاسية تهدف بلا شك إلى تحفيز الاستثمار وبناء الثقة عبر جذب رؤوس الأموال، وبالتالي خلق بيئة أعمال تنافسية وأكثر جاذبية للاستثمارات المحلية والأجنبية. كما تسعى إلى ترسيخ نهج تشاركي يبني الثقة بين مصلحة الضرائب والمستثمرين عبر تقديم تسهيلات إضافية ومستمرة. كذلك يتضمن ذلك تبسيط الإجراءات بالتحول الرقمي وتقليل البيروقراطية من خلال ميكنة وتبسيط المعاملات الإجرائية، مع دمج الحلول الرقمية مثل التطبيقات الإلكترونية للضرائب العقارية وضريبة التصرفات العقارية لتسريع المعاملات وتقليص التعامل الورقي.
ومع ذلك، يجب التنبيه إلى أنه رغم هذه الإجراءات الحازمة والصارمة، لم تتجاوز الإيرادات الضريبية للسنة المالية الأخيرة نسبة 13% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي نسبة بعيدة عن النسبة الواجب الوصول إليها وهي 25% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي النسبة العالمية للاقتصاديات التي تتشابه معنا. لذلك، يتطلب الوصول إلى هذه النسبة العمل على توسيع القاعدة الضريبية عبر تحفيز الممولين على الالتزام الطوعي دون الحاجة لفرض ضرائب جديدة، مما يضمن تدفقات إيرادات مستقرة.
من الضروري أن تدعم هذه الحزم والتسهيلات المؤشرات المالية العامة والنمو الاقتصادي، كي تعزز مرونة الدولة في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية وتساهم في خفض مخاطر عدم السداد وسندات الدولة. يجب أن يكون لدى الدكتور أحمد كوجك، وزير المالية، الصرامة والجدية اللازمة لنقل رؤية الرئيس السيسي إلى واقع فعلي ومنهجي يبني عليه الاقتصاد الوطني ملامح مرحلة ما بعد 2030. ينبغي أن يكون نهجها هو خفض تكلفة الدين وما يتبعه من ضغط على الموازنة العامة، مع توفير مساحات مالية أكبر لتوجيهها نحو برامج الدعم الاجتماعي والأنشطة الاقتصادية ذات الأولوية.
لذا يجب أن تكون الصرامة الضريبية المطلوبة في عهد أحمد كوجك قادرة على تعزيز الإيرادات العامة للدولة وتوفير الأموال اللازمة لبناء المدارس والمستشفيات وتطوير البنية التحتية، مع خفض الاعتماد على الديون الخارجية والداخلية لتمويل الموازنة العامة. هذا سيمكن الدولة من مواجهة الأزمات الاقتصادية المفاجئة بمرونة أكبر. ولكن إذا لم تتحقق العدالة الاجتماعية مع هذه الصرامة فلا جدوى منها؛ لذا فإن ضمان دفع الجميع حصتهم العادلة بناءً على دخلهم وحجم أعمالهم سيكون أحد أعمدة العدالة الاجتماعية في الجمهورية الجديدة.
مع الشفافية في توجيه الحصيلة الضريبية لدعم الفئات الأكثر احتياجًا عبر برامج الحماية الاجتماعية والشفافية في تتبع التدفقات المالية للحد من غسيل الأموال والأنشطة غير المشروعة. ويبقى الأهم هو تفعيل سيادة القانون عبر ترسيخ مبدأ المحاسبة والامتثال للقوانين دون استثناءات.. وهو ما سنتناوله في المقال القادم إن شاء الله.
رئيس المنتدى الاستراتيجي للتنمية والسلام.

