تصوير: نادر نبيل.

يتجمع في حي الزبالين يوميًا ما يقرب من 18000 طن من القمامة، يتم توجيهها لمصانع إعادة التدوير، منها 8000 طن من المواد الصلبة مثل الكرتون، الزجاج، الألومنيوم، والبلاستيك بأنواعه، تُرسل إلى مصانع في 6 أكتوبر، العاشر من رمضان، مدينة بدر، السادات، والعبور.

يقع حي الزبالين على بعد مئات الأمتار من حديقة الأزهر التي تمتد على مساحة 80 فدانًا. كانت هذه المنطقة تُعرف سابقًا بمكب قمامة يحمل اسم “تلال الدراسة” حيث تراكمت فيه نفايات العاصمة على مدار 500 عام. لكن مؤسسة أغا خان أطلقت عام 1984 مشروعًا لتطوير الموقع استلزم نقل نحو 1.5 مليون متر مكعب من المخلفات، ليُفتتح الحديقة رسميًا في عام 2005 بتكلفة بلغت 30 مليون دولار.

أرقام صادمة.. كم تبلغ أسعار الزبالة في مصر؟

يقول شحاتة المقدّس إن 6000 طن من المواد العضوية وبقايا الطعام (التي يصفها بـ”مواد خطرة” تلوّث المياه الجوفية حال دفنها) تُوجه يوميًا كغذاء لقطعان الخنازير في الحي.

وينوّه إلى أن 2000 طن من النفايات غير القابلة للتدوير مثل المناديل الورقية والفوط الصحية هي الجزء الوحيد الذي يُنقل إلى المقالب العمومية ليدفن دفنًا صحيًا بيئيًا.

ومع توسع المدن الجديدة والتجمعات السكنية مؤخرًا، دخلت كميات إضافية تُقدر بـ2000 طن أخرى من زجاجات المياه المعدنية والألومنيوم والورق.

تصل كفاءة الفرز اليدوي وإعادة التدوير في حي الزبالين إلى حوالي 80%-85%، مما يضع النظام التقليدي بمقدمة المنظومات البيئية عالميًا. ويُذكر أن شركات النظافة الإسبانية والإيطالية التي تعاقدت معها القاهرة أوائل الألفينيات عجزت عن تخطي نسبة تدوير تبلغ 20% وفق برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية (UN-Habitat) بالتعاون مع البنك الدولي.

البلاستيك والمعادن تقود اقتصاد الزبالين

في حي الزبالين، يكشف نقيب الزبالين شحاتة المقدس عن تحول في سوق التدوير المصري فرضه واقع حرب إيران. يقول: “قبل اندلاع حرب إيران الأخيرة وظهور أزمات الاستيراد كانت المصانع المصرية تعتمد على خلط المواد المحلية بطن واحد من خام البلاستيك المستورد لكل خمسة أطنان من البلاستيك المعاد تدويره لمنح المنتجات البلاستيكية مثل الكراسي اللمعة المطلوبة”.

ويتابع: “أما اليوم، وفي ظل شلل الاستيراد تغيّرت المعادلة تمامًا. كان أصحاب المصانع يتحدثون معنا حول تأجيل الدفع، أما الآن فهم يتصلون بنا ليطلبوا حجز أربعة أو خمسة أطنان”.

يوافق جامع القمامة مايكل أبانوب على ما طرحه المقدس قائلًا: “الطلب تضاعف وأصبح لدينا بطل جديد هو القمامة المحلية التي تحمي الصناعة الوطنية من التوقف في كل مصانع الجمهورية” حسبما يقول لـ”مصراوي”.

ويشير مجدي حنا وهو أحد جامعي القمامة لـ”مصراوي”: “أسعار طن البلاستيك الذي نفرزه تعتمد على جودته ونوعه وتصل بين 12000 و25000 جنيه. بينما علب الكانز والمشروبات نبيعها للمصانع بأسعار تتراوح بين 110000 و115000 جنيه”.

بينما يقول رأفت يونان لـ”مصراوي”: “سعر كيلو النحاس يتراوح بين 350 و450 جنيهًا والألومنيوم بين 150 و250 جنيهًا. المشكلة تكمن في تكاليف النقل والتجميع التي زادت بشكل كبير علينا”. ويضيف: “الأجهزة الإلكترونية القديمة والتليفزيونات والبطاريات التالفة تحتاج إلى وقت ومجهود كبير في الفرز لاستخراج النحاس والبودات منها”.

منشأة ناصر وأقاليم تُورّد للعاصمة

لا يُدار العمل بعشوائية في حي الزبالين بل يكشف تاجر القمامة رفعت إبراهيم أن الحي قد تحول إلى مركز إقليمي لـ”ما قبل التصنيع” يستقبل المواد الصلبة من جميع محافظات وأقاليم مصر.

كما يضيف لـ”مصراوي”: “جميع الأقاليم تجلب المواد الصلبة هنا لأن لدينا ماكينات متطورة مستوردة من الصين والهند واليابان”.

يوضح شحاتة المقدس أن تلك الماكينات تغسل المواد وتفرزها ثم تُجهز على هيئة بلاستيك “مجروش” أو “مخرّز” لدخول خطوط إنتاج المصانع فورًا.

بينما ينتقد شحاتة المقدس محاولات تطبيق نظام “الفصل من المنبع” أو وضع ماكينات لاستبدال زجاجات المياه المعدنية مقابل بعض النقود بالعاصمة الإدارية معتبرًا إياها منظومة لا تناسب الثقافة المصرية ولا طبيعة البيوت المصرية حيث إن المطابخ مصممة صغيرة ولا يمكن للمواطن وضع ثلاثة إناءات للفصل كما يقول المقدس.

ويضيف: “بهذا الشكل يأخذون مني كزبال فواكه اللحوم! المواطن سيستفيد ثلاثة أو خمسة صاغ وأنا أشيل الملوثات والمناديل والفوط الصحية بينما يأخذون مني مصدر رزقي؟! هذه تكنولوجيا تقطع أرزاق الزبالين وتعوق عملهم. إذا أرادوا تطوير التكنولوجيا يجب أن يكون ذلك بالتعاون مع الزبالين وليس على حسابهم.”.

تكشف البيانات الرسمية لوزارتي التنمية المحلية والبيئة عن توجه حكومي نحو رقمنة المنظومة عبر مبادرات لنشر “الماكينات الذكية لجمع المخلفات” التي تتيح للمواطنين التخلص من العبوات مقابل نقاط مادية وقسائم شراء.

300 سيارة قمامة قيد التحفظ

يوجه نقيب الزبالين استغاثة عاجلة للمسؤولين بسبب التداخل في تطبيق القوانين ويشرح: “صدر قانون بالقبض على السيارات التي تلقي رتش ومخلفات البناء ولكن للأسف الموظفين يقبضون على عربات القمامة العادية ويعتبرونها محملة برتش ويحولوها للمحكمة العسكرية.”.

ويتابع: “اليوم هناك أكثر من 300 سيارة مقبوض عليها وحالة الزبالين متوقفة تمامًا.” ويشير إلى أن سيارات القمامة تعتبر خدمة عامة ومن دونها ستبقى مصر غير نظيفة ويناشد قائلاً: “أرجو التفرقة بين الرتش والقمامة لكي تبقى مصر نظيفة أمام الآخرين.”.

يواجه عمال النظافة أزمة معقدة حيث تشهد العقوبات وفق القانون رقم 202 لسنة 2020 بشأن تنظيم إدارة المخلفات غرامات تصل إلى 200000 جنيه ومصادرة المركبة لكل من يلقي المخلفات في غير الأماكن المخصصة والتحفظ الفوري وإحالة المخالفين إلى النيابة العسكرية كإجراء رادع لمنع إلقاء رتش الهدم والبناء في الطرق.