كشف الدكتور حاتم الجبلي، وزير الصحة والسكان الأسبق، كواليس ومحطات مهمة من حياته الشخصية والمهنية، مستعرضًا نشأته داخل أسرة ريفية آمنت بالعلم كطريق للارتقاء، ورؤيته الاقتصادية والإدارية، وتجربته في حكومة الدكتور أحمد نظيف، إلى جانب موقفه من لجنة السياسات بالحزب الوطني ودور رجال الأعمال في العمل العام.
وقال “الجبلي” خلال حواره مع الإعلامي والكاتب الصحفي مجدي الجلاد، رئيس تحرير مؤسسة “أونا” للصحافة والإعلام، التي تضم مواقع (مصراوي، يلا كورة، الكونسلتو، شيفت)، في بودكاست “أسئلة حرجة” المذاع على “مصراوي”، إن جذور أسرته تعود إلى قرية “نوسا الغيط” بمحافظة الدقهلية.
وأوضح وزير الصحة الأسبق أن والده نشأ في بيئة ريفية بعد وفاة والده في سن مبكرة، إذ تولى شقيقه الأكبر، الذي لم يتجاوز عمره آنذاك 14 عامًا، مسؤولية الأسرة بمساندة والدتهما. وكان الإيمان بالتعليم هو الركيزة الأساسية التي قامت عليها العائلة.
وتابع أن والده كان متفوقًا في الثانوية العامة بمدينة المنصورة وكان يطمح للالتحاق بكلية الطب. إلا أنه لم يُوفق في مقابلة القبول فالتحق بكلية الزراعة ليحقق بعدها المركز الأول على دفعته ويحصل على منحة للدراسة بجامعة كاليفورنيا في بيركلي عام 1939.
قصة نجاح وزير الصحة الأسبق بدأت من بيركلي
أضاف “الجبلي” أن والده واجه صعوبة كبيرة في اللغة الإنجليزية عند سفره إلى الولايات المتحدة. لكنه أغلق على نفسه المنزل لمدة 6 أشهر لدراسة اللغة حتى أتقنها قبل أن يحقق تفوقًا علميًا كبيرًا ويحصل على تقييم أكاديمي رفيع في رسالة الدكتوراه الخاصة به.
وأشار حاتم الجبلي إلى أن والده عاد إلى مصر عام 1944 وشارك مع عدد من زملائه بينهم: الدكتور عثمان بدران في تأسيس كلية الزراعة بجامعة الإسكندرية قبل أن يتولى لاحقًا منصب وزير الزراعة في عهد الرئيس الراحل أنور السادات.
أسرة تجمع بين العلم والاستثمار
أكد وزير الصحة الأسبق أن والده نقل إلى جميع أفراد العائلة قناعة راسخة بأن التعليم هو الوسيلة الأساسية للارتقاء الاجتماعي وهو ما انعكس على أجيال متعاقبة حصل العديد منها على درجات الدكتوراه بينما اتجه آخرون إلى التجارة والاستثمار.
وأوضح أن شقيقه الدكتور شريف الجبلي بعد حصوله على الدكتوراه فضل العمل في القطاع الخاص وإنشاء مشروعات صناعية بينما اتجه أبناء آخرون للعمل الأكاديمي داخل مصر وخارجها من بينهم نائب سابق لرئيس جامعة الكويت وأستاذ رياضيات في كندا.
وأضاف أن عائلة والدته أيضًا أولت اهتمامًا كبيرًا بالتعليم إذ كانت والدته أول سيدة في الأسرة تحصل على درجة الدكتوراه فيما سبقتها إحدى قريباتها بالتخرج في كلية الحقوق ضمن دفعة الدكتورة مفيدة عبد الرحمن.
حاتم الجبلي: أنا يساري القلب ويميني العقل
تحدث الجبلي عن فلسفته في الإدارة قائلًا إنه يختصرها في عبارة: “أنا يساري القلب ويميني العقل”. أوضح أن “يميني العقل” يعني ضرورة أن يحقق أي مشروع جدوى اقتصادية وربحية واستدامة مالية بينما يعبر “يساري القلب” عن أهمية استفادة العاملين والمجتمع من نجاح المشروع وليس المستثمر وحده مؤكدًا أن العدالة الاجتماعية لا تتعارض مع الاقتصاد الحر إذا أُدير بكفاءة.
رؤيته للفكر الجديد بالحزب الوطني
خلال حديثه عن ما عُرف بـ”الفكر الجديد” داخل الحزب الوطني قال الدكتور حاتم الجبلي إن الفكرة الأساسية كانت تقوم على التوسع في الاقتصاد الحر مع الحفاظ على دور الدولة في القطاعات الاستراتيجية. أشار إلى أن التجربة المصرية لا يمكن أن تنقل النماذج الغربية كما هي مستشهدًا بالنظام الصحي البريطاني موضحًا أن نسبة الكوادر الطبية إلى الإداريين في مصر كانت معكوسة مقارنة بالنظام البريطاني مما يجعل تطبيق التجارب الأجنبية دون مراعاة الواقع المحلي أمرًا غير ممكن.
وأضاف أنه ينبغي على الدولة الاحتفاظ بملكية بعض القطاعات الحيوية مثل صناعة الدواء لضمان الأمن القومي وقت الأزمات والحروب.
حكومة نظيف.. مجموعة اقتصادية متجانسة
أشاد الدكتور حاتم الجبلي بأداء المجموعة الاقتصادية في حكومة الدكتور أحمد نظيف معتبرًا أنها ضمت مجموعة من أفضل الكفاءات بينهم يوسف بطرس غالي والدكتور محمود محيي الدين ورشيد محمد رشيد وفاروق العقدة وأحمد المغربي وفايزة أبو النجا.
وأكد أن الدكتور أحمد نظيف كان “مايسترو” العمل الحكومي إذ كان يمنح الجميع فرصة للنقاش ثم يصدر القرار بصورة جماعية ويلتزم الجميع بتنفيذه. أشار إلى أن التعاون بين الدكتور محمود محيي الدين ومحافظ البنك المركزي الأسبق فاروق العقدة أسهم في إنهاء أزمة مديونيات قطاع الأعمال العام التي بلغت نحو 50 مليار جنيه بحلول عام 2010.
رجال الأعمال والصورة الذهنية
تطرق وزير الصحة الأسبق إلى الاتهامات التي وُجهت لعدد من الوزراء ورجال الأعمال خلال تلك الفترة بشأن “الزواج بين السلطة والمال” مؤكدًا أن الإعلام والدراما لعبا دورًا في ترسيخ صورة سلبية عن رجال الأعمال. أوضح أن رجل الأعمال الحقيقي هو من يبني مشروعًا ويخاطر بأمواله ويوفر فرص عمل وليس من يحقق مكاسب من المضاربة بالأراضي.
وأشار إلى أنه عند توليه الوزارة كان يمتلك حصصًا محدودة في بعض المؤسسات الطبية إلا أنها كانت تدار بصورة مستقلة نافيًا أي استفادة شخصية له من منصبه موضحًا أن التعاقدات التي كانت تربط بعض المؤسسات الطبية التي شارك فيها مع هيئة التأمين الصحي كانت قائمة قبل توليه وزارة الصحة بسنوات طويلة.
رأيه في الرأسمالية الوطنية
رأى “الجبلي” أن مصر خسرت جزءًا مهمًا من الرأسمالية الوطنية بعد إجراءات التأميم معتبرًا أن شركات كبرى كانت تمثل قيمة اقتصادية كبيرة وكان يمكن تطويرها تدريجيًا بدلاً من إنهاء دور أصحابها بالكامل. أشار وزير الصحة الأسبق إلى أنه كان يمكن لمشاركة العاملين في ملكية الشركات تمثيل نموذج أكثر نجاحًا من نقل الملكية بصورة كاملة للدولة.
كواليس اختياره وزيرًا
كشف حاتم الجبلي تفاصيل اختياره وزيرً للصحة موضحا أنه دُعي بواسطة الدكتور أحمد نظيف إلى منزله خلال شهر رمضان وفي لقاء لم يكن يعلم هدفه مسبقًاأن فاجأه بعرض تولي حقيبة وزارة الصحة. وأضاف أنه وافق فورًاعلى العرض معتبرًامنه تحديًا جديدًافي مسيرته المهنية خاصة مع امتلاكه خبرة طويلة بالإدارة الطبية.
وأكد انضمامه للحزب الوطني جاء بعد توليه الوزارة عندما طلب منه المهندس أحمد عز بصفته أمين التنظيم آنذاك الانضمام باعتبارها “حكومة الحزب”.
رؤية للدولة والتنمية
أكد الدكتور حاتم الجبلي إن التنمية الاقتصادية تحتاج لدولة قوية ومؤسسات مستقرة مشيرًاإلى ان التجربة الصينية قدمت نموذجاً يعتمد على “حزب قوي واقتصاد حر”. وأضاف إن الرئيس عبد الفتاح السيسي كان محقاً عندما قال إنه تسلم “شبه دولة” معتبرًاأن الحفاظ على مؤسسات الدولة شرط أساسي لتحقيق التنمية. وأشاد بالدكتور كمال الجنزوري مؤكدًاأنه لديه رؤية تنموية سبقت عصرها استهدفت التوسع العمراني والخروج من الوادي الضيق عبر مشروعات مثل: شرق بورسعيد والسخنة وتوشكى واصفاً إياه بأنه أحد أصحاب الرؤى الاستراتيجية بتاريخ الإدارة المصرية.
حاتم الجبلي: مبارك لم يتدخل في عملي وزيراً.. وحكومة نظيف كانت مستقلة بالكامل
كشف الدكتور حاتم الجبلي تفاصيل جديدة عن طبيعة إدارة الدولة خلال السنوات الأخيرة لحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك مؤكدًاأن الرئيس لم يكن يتدخل بأعمال الوزراء أو يفرض عليهم قرارات بعينها كما نفى قيام جمال مبارك بإدارة الحكومة أو إصدار تعليمات تنفيذية للوزراء مشددًاعلى ان حكومة الدكتور أحمد نظيف كانت تتمتع باستقلالية كاملة باتخاذ قراراتها.
<p وقال "الجبلي": إن الرئيس الأسبق حسني مبارك كان يستمع لآراء الوزراء ويمنحهم مساحة كبيرة لعرض رؤيتهم ولم يكن يتعامل بمنطق فرض القرارات أو إصدار التعليمات المباشرة.
Mubarak never asked me to implement a specific decision

