جياني إنفانتينو، الطفل ذو الشعر الأحمر، عانى في صغره من سخرية محيطه، حيث كان يُنظر إليه كمن يختلف عن الآخرين. ومع تجاربه في سويسرا، حيث واجه عبارات مثل: “ممنوع دخول الكلاب، ممنوع دخول الإيطاليين”، تشكلت لديه قناعة بأن كرة القدم يمكن أن تكون أكثر من مجرد لعبة، بل وسيلة لتحقيق السلام والوحدة.

غير أن الطفل الذي حلم بتوحيد البشر عبر الساحرة المستديرة وجد نفسه لاحقًا وسط جدل كبير حول قيادته للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، والذي أثار تساؤلات حول النفوذ والسياسة وحدود العلاقة بين الرياضة والسلطة.

تولى إنفانتينو رئاسة الفيفا في عام 2016، ليصبح المحامي السويسري الإيطالي اللبناني الجنسية الشخصية الأكثر نفوذًا في عالم كرة القدم. وقد جلب له هذا المنصب دخلًا سنويًا قدره 6 ملايين دولار، وعلاقات مباشرة مع قادة العالم مثل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وطائرة خاصة للتنقل بين الدول.

إيرادات سنوية تتراوح بين 9 إلى 11 مليار دولار

قبل انتخابه، كان إنفانتينو شخصية غير بارزة في الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، حيث تولى منصب مدير الشؤون القانونية وتراخيص الأندية عام 2004. وقد تولى رئاسة الفيفا بعد استقالة الرئيس السابق جوزيف بلاتر بسبب فضائح فساد هزت المؤسسة.

أعيد انتخاب إنفانتينو مرتين بالتزكية في عامي 2019 و2023، ليصبح مسؤولاً عن مؤسسة مالية تُقدر إيراداتها السنوية بنحو 9 مليارات دولار بسبب تنظيم كأس العالم؛ وتشير تقارير أخرى إلى أن حجم الإيرادات قد يصل إلى 11 مليار دولار.

على الرغم من تزايد المطالب الأوروبية لاستقالته بسبب لوائح الفيفا التي تمنع التدخل السياسي في الرياضة، إلا أنه لا يزال الأوفر حظًا لرئاسة الفيفا بعد إعلانه نيته الترشح مجددًا في عام 2027.

مهاجر تلاحقه الاتهامات

وُلِد إنفانتينو في سويسرا لأبوين إيطاليين مهاجرين، وحصل على الجنسية اللبنانية عن طريق الزواج من اللبنانية لينا الأشقر. درس القانون في جامعة فريبورج السويسرية.

في يوليو 2016، خضع للاستجواب من قبل لجنة الأخلاقيات بالفيفا بسبب الاشتباه بانتهاكه ميثاق الأخلاقيات؛ حيث تركز التحقيق على رحلات جوية قام بها خلال الأشهر الأولى من رئاسته ومسائل تتعلق بالموارد البشرية.

كما واجه قضايا فساد تتعلق بالحصول على فواتير لتغطية نفقات شخصية تشمل شراء مراتب لمنزله وملابس رسمية باهظة الثمن.

في يوليو 2020، اتهم بعقد اجتماع سري مع المدعي العام السويسري مايكل لاوبر الذي استقال بعد صدور حكم ضده بالتستر على الاجتماع والكذب أثناء تحقيق يتعلق بقضايا فساد تحيط بالفيفا دون أن يُمس رئيس الفيفا بأي ضرر!

شبكة تحالفات في الخفاء

يجيد إنفانتينو تشكيل تحالفات سرية؛ حيث استبعد فترة الثلاث سنوات الأولى التي قضاها كرئيس للفيفا بعد خلافته لجوزيف بلاتر. تنص لوائح الفيفا على أن الرئيس لا يمكنه شغل المنصب لأكثر من ثلاث فترات مدتها أربع سنوات لكل منها. لكن نظرًا لتولي إنفانتينو المنصب خارج الدورة الانتخابية المعتادة عام 2016، تم السماح له ببدء فترة الـ12 عامًا اعتبارًا من عام 2019.

ومع قرارات مثيرة للجدل وعلاقات سياسية متشابكة، يواجه إنفانتينو تحديات جديدة تهدد صورته داخل عالم اللعبة. بعد إلغاء عقوبة لاعب المنتخب الأمريكي فولارين بالوجون بمكالمة هاتفية من ترامب، تصاعدت التساؤلات حول حدود العلاقة بين الفيفا والسياسة.

الرجل الذي ظن نفسه إلها

لكن تلك العاصفة تبدو خافتة وسط تنامي شبكة علاقاته السياسية والمالية. وكانت رئيسة الاتحاد النرويجي لكرة القدم ليز كلافينيس واحدة من الأصوات النادرة التي أدانت علنًا نظام إنفانتينو قائلةً إنه منح جائزة السلام لترامب يعد خرقًا للوائح الفيفا الخاصة بالحياد السياسي.

أما رئيس اتحاد اللاعبين المحترفين سيرجيو ماركي فقد أطلق عليه لقب “الرجل الذي يظن نفسه إلها” متهمًا إياه بتحويل البطولة إلى مسار “الخبز والسيرك” وهو تعبير يعود للشاعر الروماني جوفينال الذي استخدمه لانتقاد الشعب الروماني الذي تخلى عن حقوقه مقابل الحصول على حصص مجانية ومشاهدة عروض العنف.

السياسة على طريقة إنفانتينو الخاصة

تحظر لوائح الفيفا التدخل السياسي في شؤون الساحرة المستديرة وتعلق عضوية الدول حال تدخل الحكومات في شؤون الاتحادات الوطنية لكرة القدم. ومع ذلك عندما يتعلق الأمر بعلاقة إنفانتينو بترامب يبدو أن القواعد تختلف؛ فقد بدا حفل قرعة كأس العالم الذي منح خلاله ترامب جائزة الفيفا للسلام وكأنه تتويج لعلاقة وثيقة بينهما.

بلاتيني: إنفانتينو يحب الأثرياء وأصحاب النفوذ والمال.

تقدمت منظمة “فيرسكواير” بشكوى إلى لجنة الأخلاقيات في الفيفا اتهمت فيها إنفانتينو بانتهاك قواعد الهيئة الحاكمة بشأن الحياد السياسي عبر إنشاء هذه الجائزة. ومع عدم تلقي أي رد على الشكوى كتب 50 عضوًا من البرلمان الأوروبي رسالة جديدة للجنة الأخلاقيات مطالبين باتخاذ إجراء ولكن لم يصدر أي رد أيضًا.

جدل متصاعد تحت السطح

لطالما بدا الجدل قريبًا من السطح وكأن هناك شيئًا يتشكل في الخفاء؛ إذ يبدو أن علاقة إمبراطور الفيفا بكثير من قادة العالم قد جعلته جزءً من نخبته حتى لو كلفه الأمر النطق بكلمات غير مفهومة دفاعا عنه كما حدث مع قضية منع الحكم الصومالي عمر أرتان من المشاركة في مونديال 2026.

عندما واجهته الصحافة بتلك الفضائح وبحقيقة أنه فقد السيطرة على كأس العالم الخاص به رد بطريقة سطحية قائلاً فقط “كما تعلمون اهدأوا واستمتعوا!” وقد وصفت جريدة “ذا جارديان” سياسته بأنها تقوم على فكرة أن قراراته نافذة وعلى الآخرين قبول الأمر كما هو.

إنفانتينو حول كأس العالم إلى سيرك مخصص للنخبة

شبكة “إي إس بي إن”: لاحظ الرئيس السابق للفيفا جوزيف بلاتر قلة الانتقادات الموجهة لإنفانتينو داخل عالم كرة القدم واصفا ذلك بأنه يشبه التستر على الحقائق؛ حيث قال إنه لا يوجد اتحاد واحد يعارض عمل إنفانتينو الذي لا يتحدث إلا مع رؤساء الدول.
أما بلاتيني فقد وصفه بأنه يحب الأثرياء وأصحاب النفوذ والمال وأن هذه هي شخصيته.
وأضافت شبكة “إي إس بي إن”: الرئيس الحالي للفيفا بائع ومستعرض حول كأس العالم أكبر حدث رياضي على وجه الأرض حوله إلى سيرك مخصص للنخبة.